يقترب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من منتصف ولايته الثانية، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع الهيبة الأمريكية والنفوذ العالمي لواشنطن. وبحسب عدد من التقديرات والتحليلات، فإن هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تحولات في أسلوب إدارة الأزمات الخارجية والدبلوماسية الدولية، إلى جانب تأثير نهج ترامب القيادي.
والحرب على إيران تمثل تحولا مفصليا في هذا التراجع، وقبل أيام، ذكر تقرير أمريكي جديد، أن واشنطن أنفقت 33.4 مليار دولار على عملية "الغضب الملحمي" خلال أربعة أشهر فقط. ووصف هذا الإنفاق، بأنه "خسائر ملحمية". وتزامن هذا مع تصويت الكونغرس، لصالح إجراء يُلزم ترامب بإنهاء الحرب، في خطوة تُعد توبيخاً سياسياً واضحاً لطريقة تعامل الإدارة مع الصراع، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي.
بالفعل فإن القوة الناعمة الأمريكية شهدت تراجعاً كبيراً نتيجة تفكيك وتقليص تمويل المؤسسات والوكالات الدولية والمنح الإنسانية، ما أفقَد واشنطن قدرتها التاريخية على جذب الحلفاء وصياغة تحالفات مرنة قائمة على القيم المشتركة.
وأدت سياسات فرض الرسوم الجمركية الشاملة، والتهديد بالانسحاب من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، والتشكيك في جدوى التحالفات التاريخية (سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط أو شرق آسيا) إلى دفع العديد من الدول الحليفة إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. وبدأت دول عدة تُفضّل اتخاذ مواقف أكثر تحوطاً أو البحث عن شراكات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية أخرى لتقليل الاعتماد على مظلة واشنطن.
وأسهمت تلك السياسات في تعزيز ما يمكن وصفه بالانكفاء الأمريكي، وخلق فجوة وفراغ جيوسياسي سارعت كل من الصين وروسيا إلى ملئه. وتجلت هذه الفجوة في تزايد ثقل التكتلات الدولية البديلة مثل مجموعة "بريكس"، وشغور الساحة الدولية في إدارة النزاعات الأوراسية والإفريقية لصالح القوى الناشئة.
ويُعد الاعتماد المفرط على القوة الصلبة دون نتائج حاسمة أحد أهم العناصر التي أسهمت في هذا التراجع. وتُظهر تجربة الحرب على إيران، أن التحركات العسكرية والضغوط الاقتصادية المفرطة فشلت في ترجمة تلك القوة العسكرية والمالية الهائلة إلى انتصارات سياسية دائمة. فعدم القدرة على إرغام خصم بحجم النظام الإيراني المنهك على الامتثال التام أو الجلوس إلى طاولة التفاوض بالشروط الأمريكية كشف حقيقة حدود الردع التقليدي لواشنطن.
في المقابل، الصين تمثل أحد أبرز المستفيدين من بعض مظاهر التراجع في النفوذ الأمريكي، كما أنها تعمل بصورة متزايدة على استثمار المساحات التي تتيحها هذه التحولات. فبكين تواجه منذ ما يقرب من سبعة أشهر معضلات بسبب الحرب على إيران؛ فمن جهة، يتيح استمرار الصراع استنزاف جزء من الموارد العسكرية والاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بعيداً عن منطقة الهندو-باسيفيك، ومن جهة أخرى، تخشى الصين أن تصبح هدفاً لعقوبات اقتصادية جديدة فرضتها واشنطن على الدول التي تتعامل مع طهران.
وتأتي العقوبات قبيل قمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض المقررة في 24 سبتمبر. وانتقدت وزارة الخارجية الصينية العقوبات، متعهدة بـ "بذل كل ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها بحزم."
بكين تؤمن أن تجارتها مع إيران طبيعية باعتبارها بين الدول ذات السيادة، وترفض عقوبات واشنطن بوصفها خرقا لميثاق الأمم المتحدة؛ ومع ذلك، حتى مع تصعيد واشنطن لتهديداتها، فإن الحرب تخدم المصالح الاستراتيجية الواسعة للصين، مما يستنزف تدريجيا الأسلحة والمال والاهتمام الذي كانت واشنطن ستوجهه لولا ذلك نحو منطقة الهندو-باسيفيك.
حتى إن مراكز الأبحاث الأمريكية كشفت أن الولايات المتحدة لو دخلت في صراع اليوم غرب المحيط الهادئ فإن مخزونها من الأسلحة الموجهة بدقة قد لا يدوم لأسبوع، مما يثير الشكوك حول قدرة أمريكا على خوض حرب بالقرب أو مع الصين، بما في ذلك حول تايوان.
لكن تراجع المكانة الدولية لم يكن فقط بسبب حزمة من الأخطاء السياسية والعسكرية، فهناك جانب آخر، وهو العامل الشخصي والسلوكي المرتبط بالنهج القيادي للرئيس ترامب، حيث يظهر هذا البُعد مدى تأثير الخطاب الرئاسي السريع والمثير للجدل على مصداقية الإدارة وصورتها الاستراتيجية.
يعتمد ترامب على نمط من التصريحات المتلاحقة والمفاجئة عبر المنصات الرقمية والمؤتمرات الصحفية، والتي غالباً ما تتناقض مع البيانات الرسمية لوزارتي الدفاع والخارجية. هذا التضارب أضعف قابلية التنبؤ بالسياسة الاستراتيجية الأمريكية، وجعل الردع الأمريكي يبدو في أحيان كثيرة غير مستقر.
أيضاً هناك فجوة بين البلاغة السياسية والواقع الميداني، حيث يميل ترامب إلى إعلان إنجازات حاسمة أو حسم ملفات معقدة بكلمات سريعة، في حين تظل المعطيات على الأرض تظهر استمرار الأزمات واستنزاف القدرات، مما يخلق انطباعاً دولياً بوجود فجوة بين الدعاية السياسية وحقيقة الإمكانيات التنفيذية.
كما أن التعامل مع العلاقات السياسية والاستراتيجية الدولية بعقلية الصفقة التجارية المباشرة أفرغ الدبلوماسية الأمريكية من جانب من أبعادها الأيديولوجية والسياسية، وجعل الالتزام الأمريكي تجاه الحلفاء يبدو في بعض الأحيان مرهوناً بالحسابات المالية والمنافع قصيرة الأجل.
بالإضافة لما سبق، تسببت السجالات المتكررة بين الرئاسة الأمريكية والمؤسسات التشريعية والإعلامية في تصدير صورة لبلد يعاني من انقسام داخلي عميق حول توجهاته الخارجية، مما أضعف من الثقة التي تستمدها الإدارة من تماسك جبهتها الداخلية أمام الخصوم الدوليين.
عندما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فترة ولايته الثانية كان يمتلك قضايا حقيقية ورؤية لمعالجة أخطاء إدارات سابقة تحملتها الولايات المتحدة على مدى عقود، منها المساهمات المالية والفنية والعسكرية التي تحملتها واشنطن نيابة عن حلف الناتو، وكذلك قضية الضرائب والجمارك مع الاتحاد الأوروبي، وسعيه لأنهائه الحرب في أوكرانيا، وتحسين شروط التفاوض التجاري مع الصين، وغيرها من القضايا والأزمات، إلا أنه سقط في اختيار الوسائل المناسبة لحسم كل من تلك القضايا والتي تحولت الآن إلى مشاكل معقدة قد يصعب تجاوزها فيما تبقى له من فترته الرئاسية.
وبذلك فإن المفارقة في تجربة ترامب الثانية لا تكمن في أنه تجاهل المشكلات التي تراكمت أمام الولايات المتحدة، بل في أنه تعامل مع كثير منها بأدوات ضغط قصوى لم تنتج بالضرورة النتائج السياسية التي استهدفتها. وبينما كان هدفه المعلن استعادة النفوذ الأمريكي وفرض شروط أكثر ملاءمة لواشنطن، فإن بعض هذه الأدوات أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في زيادة شكوك الحلفاء وفتح مساحات أوسع أمام المنافسين. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن بالضرورة في تشخيص بعض الاختلالات الأمريكية، بقدر ما يكمن في أدوات إدارة هذه الملفات والنتائج التي ترتبت عليها.
في عهد ترامب.. تآكل في ثوب الهيبة الأمريكية
ملخص الذكاء الاصطناعي
Beta