مقالات وآراء

مقالات وآراء لأهم كتاب الرأي في مصر والوطن العربي

مقالات وآراء

سايس السيارات في الشوارع بين التنظيم الغائب واستنزاف المواطن


بقلم الدكتور أحمد أبو العلا

 استشاري أمراض الباطنة
في نهاية يوم طويل، يعود المواطن إلى منزله باحثًا عن لحظة هدوء بعد ساعات العمل والزحام. يقترب بسيارته من الشارع الذي يسكن فيه، ويتطلع إلى مكان يركن فيه سيارته بأمان أمام بيته أو في محيطه السكني. لكن هذه اللحظة البسيطة كثيرًا ما تتحول إلى موقف يثير الضيق، عندما يجد سايس السيارات في انتظاره يطالبه بمبلغ مالي مقابل ركن السيارة في شارع عام.
هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الشوارع، وخصوصًا في مناطق وسط البلد التي تعاني من كثافة مرورية وضغط كبير على أماكن الانتظار. وما يزيد من استياء المواطنين أن المبالغ المطلوبة لا تكون في كثير من الأحيان معلنة بوضوح، ولا يصاحبها إيصال رسمي يحدد قيمة الرسوم أو مدة الانتظار.
ومن زاوية أخرى، يشعر كثير من أصحاب السيارات بتناقض واضح؛ فهناك رسوم سنوية وإجراءات رسمية مرتبطة بترخيص المركبة واستخدامها، وقد ترتبط بتنظيم الانتظار وفق القواعد المنظمة لذلك، ثم يفاجأ المواطن بمطالبات مالية إضافية من بعض السياس في الشارع نفسه. وهذا يثير تساؤلًا مشروعًا لدى المواطن: إذا كان يدفع رسومًا أو التزامات رسمية سنوية مرتبطة بسيارته، فلماذا يظل عرضة لتحصيل مبالغ أخرى بصورة يومية أو عشوائية؟
لا أحد ينكر أن تنظيم انتظار السيارات في الشوارع المزدحمة أمر ضروري للحفاظ على السيولة المرورية ومنع الفوضى. كما أن وجود منظومة رسمية لتنظيم الانتظار يمكن أن يحقق للدولة إيرادات قانونية ويساعد في تحسين إدارة الشوارع. لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يغيب التطبيق الصارم للضوابط، أو عندما يمارس بعض الأفراد نشاط تنظيم الانتظار دون التزام واضح بالتعريفة الرسمية أو بالإجراءات القانونية.
وفي مناطق وسط البلد، حيث يصعب العثور على مكان لركن السيارة، تتحول حاجة المواطن إلى الانتظار إلى فرصة للبعض لفرض رسوم مرتفعة تختلف من شارع إلى آخر ومن وقت إلى آخر. وقد يجد المواطن نفسه مضطرًا للدفع تجنبًا للمشكلات أو خوفًا من تعرض سيارته لأي مضايقات، رغم أن الشارع في الأصل مرفق عام يجب أن يخضع لتنظيم واضح وعادل.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي. فالشعور بالاضطرار إلى الدفع مقابل استخدام الشارع العام يولد إحساسًا بالظلم وفقدان الثقة في قدرة الجهات المختصة على حماية حقوق المواطنين. كما أن المشاحنات المتكررة بين بعض أصحاب السيارات والسياس تخلق حالة من التوتر في الشوارع السكنية، وتؤثر على شعور السكان بالأمان والراحة في محيط مساكنهم.
وهنا يبرز سؤال يطرحه المواطنون يوميًا: أين دور المحافظة؟ وأين الجهات الرقابية؟ فالمحافظات هي الجهة المسؤولة عن تنظيم الشوارع وإدارة المرافق العامة داخل نطاقها، كما أن الأجهزة التنفيذية والرقابية مطالبة بالتأكد من التزام منظومة انتظار السيارات بالقانون والضوابط المحددة. إن وجود سايس أمام العقارات السكنية أو في الشوارع العامة يجب أن يكون خاضعًا لترخيص واضح، مع إعلان التعريفة الرسمية في مكان ظاهر، وإلزام القائم بالتحصيل بإصدار إيصال رسمي يوضح قيمة الرسوم ومدة الانتظار.
كما ينبغي على الجهات الرقابية القيام بحملات دورية لمراجعة التراخيص وضبط أي مخالفات تتعلق بتحصيل رسوم غير قانونية، والتأكد من أن أماكن الانتظار تدار وفق القواعد التي تحقق مصلحة المواطن والدولة معًا. فاستمرار التحصيل العشوائي دون رقابة يفتح الباب أمام الاستغلال ويزيد من معاناة المواطنين، ويجعل الشارع العام وكأنه خاضع لإدارة غير رسمية تفرض شروطها بعيدًا عن إطار القانون.
ومن واقع ما نراه يوميًا، فإن الحل لا يكمن في إلغاء تنظيم انتظار السيارات، بل في تنظيمه بصورة حضارية وواضحة تحمي المواطن من الاستغلال، وتضمن أن تكون الرسوم المقررة معلنة ومحددة وخاضعة للرقابة. كما أن توفير أماكن انتظار منظمة في المناطق المزدحمة مثل وسط البلد يمكن أن يقلل من الاعتماد على الانتظار العشوائي في الشوارع، ويخفف من الاحتكاكات اليومية بين المواطنين والقائمين على تنظيم الانتظار.
إن قضية سايس السيارات ليست مجرد خلاف على بضعة جنيهات، بل هي قضية ترتبط بحق المواطن في استخدام الشارع العام، وبمدى قدرة الدولة على تنظيم المرافق العامة بشكل عادل وشفاف. وعندما يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن المحافظة والجهات الرقابية تقوم بدورها في المتابعة والمحاسبة، ستتحول منظومة انتظار السيارات من مصدر شكوى يومية إلى خدمة عامة منظمة تحافظ على النظام وتراعي حقوق المواطنين.
يبقى الأمل أن تتحول الشوارع المصرية إلى نموذج حضاري في إدارة المرافق العامة، بحيث يعرف المواطن حقوقه وواجباته بوضوح، وتكون أي رسوم مرتبطة بالانتظار معلنة ورسميّة وخاضعة للرقابة، فلا يشعر المواطن بأنه يدفع أكثر من مرة مقابل حقه في استخدام الطريق العام.

مقالات وآراء

إيران وقنبلتها النووية

حينما تتعقد مسارات المفاوضات في جنيف بين طهران وواشنطن نتيجة رفض إيران بشكل قاطع السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت التي تعرضت للقصف (مثل فوردو ونطنز وأصفهان)، يعود إلى الأذهان السبب الرئيسي للأزمة، وهو انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الموقع مع إيران.
ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو كان من أشد المعارضين للاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) وبذل جهوداً حثيثة لإقناع إدارة ترامب الأولى بالانسحاب منه. بل وتفاخر علناً في عدة مناسبات بأنه هو من أقنع ترامب باتخاذ خطوة الانسحاب في مايو 2018، معتبراً الاتفاق خطراً على أمن إسرائيل لأنه يمنح إيران شرعية دولية على المدى الطويل دون تفكيك بنيتها التحتية النووية بالكامل.
هذا الاتفاق كان يفرض سقفاً صارماً لتخصيب اليورانيوم عند نسبة 3.67%، وهي نسبة كافية فقط للاستخدامات السلمية وإنتاج الطاقة. وبعد الانسحاب الأمريكي وإعادة فرض العقوبات، بدأت إيران بالتخلي تدريجياً عن التزاماتها النووية كرد فعل. أدى هذا المسار في نهاية المطاف إلى رفع إيران لنسب التخصيب لتصل إلى 60% في منشآت مثل فردو ونطنز، وهي نسبة قريبة جداً من درجة النقاء العسكري (90%) المطلوبة لصنع سلاح نووي.
فقرار الانسحاب دون وجود خطة بديلة فعالة كان خطأ استراتيجياً فادحاً، أزال القيود الدولية عن طهران ومنحها الذريعة للوصول إلى حافة القدرة النووية التي هي اليوم واحدة من أكبر الأزمات التي تواجهها مفاوضات جنيف. وعليه، يمكن القول إن نتنياهو أسهم، أكثر من أي زعيم إسرائيلي آخر، في تهيئة الظروف التي دفعت إيران إلى الاقتراب من صنع قنبلتها النووية.
الآن ترى طهران أن المنشآت التي تضررت جراء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تمثل "قلب البرنامج النووي الإيراني"، وتعتبر أي رقابة دولية عليها بمثابة انتهاك للسيادة وضياعاً للجهود التقنية التي بُذلت في رفع نسب التخصيب، والتي تسارعت وتيرتها منذ انسحاب ترامب من اتفاق 2015. بل وتصر على أن قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي غير خاضعين للتفاوض، خاصة في ظل المذكرة الموقعة مؤخراً لإنهاء الحرب، والتي لم تتطرق بشكل مباشر لنزع السلاح النووي كما روجت الإدارة الأمريكية.
وأحدثت التصريحات الأمريكية -لاسيما من نائب الرئيس جاي دي فانس- حول وجود "موافقة إيرانية" على التفتيش حالة من البلبلة، لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، نفى وجود أي بروتوكول يسمح للمفتشين بدخول تلك المواقع المحددة، مؤكداً أن التعاون مع الوكالة يقتصر على الإجراءات المعتادة فقط. فيما يلوح الجانب الأمريكي بخيارات "انتزاع" اليورانيوم المدفون تحت الأرض في حال استمرار الرفض الإيراني.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الملف النووي الإيراني قد تجاوز مرحلة التقييد الفني بموجب الاتفاقيات الدولية، ليتحول إلى ركيزة أمنية استراتيجية، خاصة أن المعرفة المتراكمة التي اكتسبتها طهران على مدى عقود، والتي تأسست في بداياتها على تسريبات فنية من شبكة العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان، قد أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من الكيان التقني والعسكري الإيراني، مما يجعل محاولات السيطرة عليها أو إزالتها عبر مفاوضات جنيف عملية معقدة للغاية وقد لا تؤدي إلى نتائج حاسمة.
فالخبرة النووية التي راكمتها إيران ليست مجرد أجهزة طرد مركزي قابلة للتفكيك أو منشآت عرضة للقصف، بل هي "عقل جمعي" وتقني انتقل من مرحلة النقل إلى مرحلة التطوير الذاتي. وإن أي ضمانات تقدمها طهران في مفاوضات جنيف، مهما بلغت صرامتها، لن تؤدي إلى محو هذه المعرفة. بل على العكس، تشير التقديرات إلى أن هذه المعرفة ستظل قابلة للتطوير والتحسين، خاصة في ظل وجود بيئة دولية تسمح بتبادل الخبرات وتطوير القدرات التكنولوجية خارج مظلة الرقابة الغربية.
لقد غيرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة موازين التفكير الاستراتيجي في طهران. فلم يعد امتلاك سلاح الردع النووي خياراً سياسياً للمناورة أو ورقة تفاوض، بل أصبح "ضرورة وجودية" لضمان البقاء في وجه التهديدات الوجودية المستمرة. إن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية لم تؤدِ إلى وأد الطموح النووي، بل عززت القناعة لدى صناع القرار الإيرانيين بأن غياب هذا الردع هو الذي شجع الخصوم على تجاوز الخطوط الحمراء.
أي ترتيبات يتم التوصل إليها في جنيف لن تكون قادرة على استئصال الدافع الإيراني لامتلاك سلاح نووي. فإيران، التي تعي جيداً درس التجارب التاريخية لدول أخرى تخلت عن برامجها النووية، تدرك أن التنازل عن هذا الملف يعني انكشافاً أمنياً كاملاً. لذا، فإن السلوك الإيراني الحالي، الذي يتسم بمرونة تكتيكية في المفاوضات، يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق، دون المساس بالجوهر التقني للبرنامج الذي يظل هدفاً استراتيجياً بعيد المدى لا يقبل المساومة.
إن التحول في الرؤية الإيرانية بعد عام 2026 يؤكد أن طهران قد انتقلت من مرحلة "العتبة النووية" التي منحها إياها نتنياهو، إلى قناعة بضرورة امتلاك قوة رادعة حقيقية. وإن الضغوط الدولية والرقابة المفروضة قد تنجح في إبطاء وتيرة التطوير مؤقتاً، لكنها لن تقضي على الطموح الذي أصبح مغلفاً بإطار من "الأمن القومي" الذي لا يمكن تجاوزه أو التنازل عنه.
النتيجة، إن البرنامج النووي الإيراني قد خرج من نطاق الضبط الفني التقليدي ليصبح جزءاً من استراتيجية بقاء الدولة، مما يجعل أي اتفاق في جنيف مجرد محاولة لإدارة الأزمة وليس حلاً نهائياً لها، مع استمرار طهران في تطوير قدراتها النووية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية. والمأزق التفاوضي الذي يواجه المفاوضون في جنيف تحدياً يتركز في تحويل التفاهمات المؤقتة إلى اتفاق مستدام، حيث تُصر إيران على فصل الملفات الفنية عن الضغوط السياسية، بينما تحاول واشنطن استغلال التفاهمات الأخيرة حول وقف إطلاق النار لفرض رقابة أمنية على ما تعتبره "المكتسبات النووية" التي حققتها طهران.

مقالات وآراء

نتنياهو وتأكل الثقة

 "الحرب" هي ورقة بنيامين نتنياهو الرابحة للبقاء في السلطة، وما دون ذلك، قد يكلفه السقوط تحت سلطة القانون في قضايا فساد ورشوة.
الوضع في الداخل الإسرائيلي أشبه بلوحة سريالية، تختلط فيها أطماع السياسيين والأحزاب، مقابل شعب منقسم أنهكته حرب على أكثر من ثلاث جبهات.
ومع اقتراب الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر القادم، ارتفع سقف الصراعات السياسية، بعد أن رفضت المحكمة العليا النظر في التماسات طالب بها أهالي القتلى لتشكيل لجنة حكومية للتحقيق في أحداث أكتوبر والحرب التي تلتها، وهو ما كان يخطط له نتنياهو.
المشكلة أنه لا يوجد اتفاق في دوائر القضاء حول ما إذا كانت الحكومة ملزمة من عدمه بتشكيل لجنة تحقيق، لأن نتائج هذه اللجان غالبًا ما يعقبها إقصاء واسع لقيادات سياسية وعسكرية، على غرار ما حدث بعد لجنة أغرانات عقب حرب 1973، ولجنة كاهان التي حققت في مذابح مخيمي صابرا وشتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت خلال الفترة من 16 إلى 18 سبتمبر 1982.
التجربة أثبتت أن هذا الرجل يحقق أفضل أداء سياسي في ظل الأزمات، فقد ارتبط اسمه باستراتيجية “البقاء السياسي” عبر إدارة الأزمات العسكرية، وهي سياسة تهدف إلى تحويل التحديات الأمنية الوجودية إلى رافعة انتخابية أو وسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية والقضائية.
وكثيرًا ما يستخدم عبارة “النصر المطلق” كأداة تعبوية لربط مستقبله السياسي بتحقيق هدف عسكري غير محدد بسقف زمني، مما يمنحه تفويضًا مفتوحًا للبقاء في السلطة. كما يُنظر إلى العمليات النوعية (مثل الضربات التي استهدفت المشروع النووي الإيراني) كأدوات لتحسين شعبية الليكود. ويتفاخر بعلاقته المتميزة مع الإدارات الأمريكية، خاصة إدارة دونالد ترامب الحالية، لإظهار قدرته على جلب دعم دولي غير مشروط لعملياته العسكرية.
ونجح من خلال الحروب والأزمات في وضع المعارضة في “فخ الوطنية”، حيث يصعب على منافسيه (مثل بيني غانتس أو يائير لابيد) انتقاده بحدة أثناء وجود الجنود في الميدان. وهو ما يحد من قوة المعارضة السياسية، ويمنحه شرعية إضافية.
في المقابل، منح رفض المحكمة العليا، نتنياهو مساحة أكبر للمناورة لفرض شروطه قبل خوض الانتخابات المقبلة. ومدعومًا بنتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى أنه ما زال يمتلك شعبية مؤثرة، فيما يعتقد أنصاره أن خطواته تندرج ضمن ضرورات أمنية.
وما يسهم في تعزيز موقفه تزايد الخلافات بين الأحزاب التي تسعى لتشكيل جبهة موحدة لهزيمته. وبحسب ما ذكرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، قرر نتنياهو رفع سقف التحديات وطموحاته الانتخابية، وأعلن استعداده لتشكيل حكومته القادمة بدعم من الأحزاب العربية، لكنه اشترط اختيار عشرة مرشحين لمقاعد قائمة الليكود، وهدد بأنه سيضطر إلى اتخاذ خطوة جريئة، والترشح خارج حزب الليكود.
تهديد نتنياهو، يعيد إلى الأذهان تجربة حزب كاديما الذي شكّله في نوفمبر 2005 أرئيل شارون في خطوة وُصفت بالانتحار السياسي، حيث استقال من حزب “الليكود” الذي شارك في تأسيسه، بسبب الصراعات الداخلية مع الجناح اليميني المتشدد (بقيادة نتنياهو وقتها) حول خطة فك الارتباط مع غزة. وهو الحزب الذي شكل الحكومة فيما بعد برغم وجود مؤسسه في غرفة العناية الفائقة حتى إعلان وفاته.
وقبل أسبوع واحد فقط، شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حزب “معًا”، ويسعيان لقيادة تحالف يهدف إلى هزيمة نتنياهو في الانتخابات المقبلة. اللافت أن هذا الكيان الوليد، الذي لم يتجاوز عمره أيامًا معدودة، فاز في آخر استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة “لازار ريسيرش” بالتعاون مع شركة “بانال فور أول”، وحقق نتائج تتجاوز 46% مقابل 42% لليكود. غير أن هذه النتائج قد لا تكون حاسمة في بعض الأحيان، نتيجة تغير توجهات الناخب في إسرائيل، الذي لم يعد ملتزمًا إلى حد ما بالولاء السياسي للأحزاب التاريخية.
رغم هذه الاستراتيجيات، تشير المعطيات الحالية إلى تحديات غير مسبوقة تواجه سياسته، فحتى الآن فشل في تحقيق “حسم ناجز” في غزة ولبنان وإيران. أما ورقته المفضلة “الجيش” فلم تعد تمنحه التفوق الكاسح، حيث تظهر التحالفات الجديدة (مثل تحالف بينيت ولابيد) كبديل قوي يركز على الفشل في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية.
الحرب التي توشك أن تدخل عامها الثالث أظهرت حقيقة ما يدور في الداخل الإسرائيلي، فقد أكدت بيانات بحثية واسعة النطاق تراجعًا في الثقة والشعور بالتماسك بين مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي. وكشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة تل هاي وجامعة تل أبيب صورة معقدة للمجتمع الإسرائيلي بعد عامين ونصف من القتال؛ وأظهرت الدراسة أن 43% من المشاركين يخشون من التهديدات والانقسامات السياسية الداخلية، مقارنةً بـ 38% يخشون من التهديدات الأمنية والصواريخ والمسيرات التي يطلقها حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني. إضافةً إلى ذلك، يُنظر إلى العنف في المجتمع الإسرائيلي أيضًا على أنه تهديد أكبر من التهديد الأمني والسياسي في معظم الحالات.
باختصار، هذه هي البيئة التي يراها نتنياهو فرصة للبقاء في السلطة، وأيضًا لتولي الحكومة المقبلة، ليس حرصًا على أمن إسرائيل، لكن خوفًا من تداعيات قضائية قد تنتهي مسيرته كمدان، وليس كقائد سياسي نجح فيما لم ينجح فيه آخرون كما يزعم.
طوال تاريخه السياسي، تمكن نتنياهو من تحويل قضايا الأمن القومي إلى أداة لخدمة بقائه في السلطة. لكن هذه السياسة تواجه اليوم اختبارها الأصعب أمام مجتمع إسرائيلي منهك من حرب طويلة بلا أفق سياسي واضح. ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن استمرار هذا النموذج في ظل تآكل الثقة الداخلية؟

مقالات وآراء

المقاهي العشوائية تحاصر المرضى بدخان


بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

لم تعد ظاهرة الانتشار العشوائي للمقاهي والتعدي على الأرصفة والطرق العامة مجرد مخالفة تنظيمية أو أزمة مرورية عابرة، بل أصبحت قضية صحية واجتماعية تمس حياة ملايين المواطنين، وتستوجب وقفة جادة من جميع الجهات المعنية. فالمواطن من حقه أن يعيش في بيئة نظيفة وآمنة، وأن يسير على الرصيف دون عوائق، وأن ينعم بالهدوء داخل منزله، بعيدًا عن الدخان والضوضاء اللذين أصبحا جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الأحياء السكنية.

لقد تحولت الأرصفة، التي أُنشئت لخدمة المشاة، إلى امتداد للمقاهي بعد أن احتلتها الطاولات والكراسي والشيشة، وأصبح الأطفال وكبار السن وذوو الهمم والمرضى مجبرين على السير في نهر الطريق معرضين حياتهم للخطر. ولم تعد المشكلة مقتصرة على إشغال طريق أو مخالفة إدارية، بل أصبحت اعتداءً على حق المواطن في استخدام المرافق العامة بأمان وكرامة.

ومن منظور طبي، فإن أخطر ما تفرزه هذه الظاهرة هو الانتشار الواسع لتدخين الشيشة داخل المناطق السكنية. فالاعتقاد السائد بأنها أقل ضررًا من السجائر لا يستند إلى أي أساس علمي، إذ تحتوي على مئات المواد الكيميائية السامة، وتطلق كميات كبيرة من أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة التي تظل عالقة في الهواء، فيستنشقها الجميع، سواء كانوا مدخنين أم لا.

ويُعد التدخين السلبي من أخطر التحديات الصحية في الوقت الحالي، حيث يرتبط بزيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، والجلطات، وارتفاع ضغط الدم، والانسداد الرئوي المزمن، ونوبات الربو، والتهابات الجهاز التنفسي، كما يرفع من احتمالات الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين نتيجة التعرض المستمر للدخان.

ويظل الأطفال هم الحلقة الأضعف، لأن أجهزتهم التنفسية لا تزال في طور النمو، مما يجعلهم أكثر عرضة للحساسية الصدرية والالتهابات المتكررة، بينما يعاني كبار السن ومرضى القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز التنفسي من تدهور واضح في حالتهم الصحية نتيجة التعرض اليومي للدخان.

ومن المؤلم أن يعود المريض إلى منزله بعد رحلة علاج شاقة، أو بعد خروجه من المستشفى، بحثًا عن الراحة والهواء النظيف، ليجد نفسه محاصرًا بدخان الشيشة والضوضاء حتى ساعات متأخرة من الليل. فالبيئة الصحية الهادئة ليست رفاهية، بل هي جزء لا يتجزأ من العلاج، وتسهم بصورة مباشرة في استقرار الحالة الصحية وتسريع التعافي، بينما يؤدي التلوث الهوائي والضوضائي إلى إطالة فترات العلاج وزيادة المضاعفات.

ولا يقل التلوث الضوضائي خطورة عن تلوث الهواء، إذ تؤكد الدراسات الطبية أن الضوضاء المستمرة تؤدي إلى اضطرابات النوم، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة إفراز هرمونات التوتر، وضعف التركيز، والإرهاق العصبي، كما ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فضلًا عن تأثيرها السلبي في التحصيل الدراسي للأطفال والإنتاجية اليومية للعاملين.

ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى تعطيل الحركة المرورية، وتشويه المظهر الحضاري للمدن، وإعاقة حركة سيارات الإسعاف والإطفاء في أوقات الطوارئ، وهو ما يجعل القضية تمس الأمن والسلامة العامة بقدر ما تمس الصحة العامة.

وفي خضم هذه المشكلات، يبرز سؤال يفرض نفسه: أين دور أجهزة التفتيش والرقابة التابعة لشؤون البيئة والإدارات المحلية والبلديات؟ فهذه الأجهزة أُنشئت لحماية البيئة وصحة المواطنين، ومهمتها متابعة التزام المنشآت بالاشتراطات البيئية والصحية، ومنع التعدي على الأرصفة والطرق العامة، ورصد مصادر التلوث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. إلا أن المواطن لا يلمس هذا الدور بالقدر الذي يتناسب مع حجم المخالفات المنتشرة، وهو ما يستدعي إعادة تفعيل منظومة الرقابة، وتكثيف الحملات الميدانية، وتطبيق القانون بعدالة وحزم، دون استثناء أو تهاون، لأن هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون، وحقوق المواطنين لا تُصان إلا بوجود رقابة حقيقية وفعالة.

كما أن تحقيق التوازن بين حق أصحاب المقاهي في ممارسة نشاطهم التجاري وحق السكان في بيئة صحية هو مسؤولية مشتركة، فلا يجوز أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى مبرر للإضرار بالصحة العامة. فكل جنيه قد يتحقق من نشاط غير منظم قد يقابله أضعافه من الإنفاق على علاج الأمراض الناتجة عن التلوث، وهو ما يجعل الحفاظ على الصحة العامة استثمارًا اقتصاديًا قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا.

ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية متكاملة تقوم على التطبيق الصارم للقانون، وإزالة جميع التعديات على الأرصفة والطرق العامة، والرقابة المستمرة على المقاهي، ومنع مصادر التلوث، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر التدخين السلبي والضوضاء، مع تعزيز التعاون بين أجهزة البيئة والمحليات ووزارة الصحة وجميع الجهات المعنية، حتى يصبح احترام حق المواطن في بيئة سليمة ثقافة راسخة قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.

إن المدن المتحضرة لا تُقاس بعدد المقاهي المنتشرة في شوارعها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، واحترام حقه في الهواء النقي، والهدوء، والأمان، وجودة الحياة. فالدولة التي تحرص على صحة مواطنيها لا تكتفي ببناء المستشفيات وتوفير العلاج، بل تعمل على إزالة أسباب المرض من جذورها، وتفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.

إن حماية صحة المواطنين ليست مسؤولية وزارة الصحة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية تشترك فيها أجهزة البيئة، والمحليات، والبلديات، والأجهزة الرقابية، وكل مؤسسة معنية بالحفاظ على النظام العام. وعندما يصبح القانون هو الفيصل، والرقابة هي القاعدة، واحترام حقوق المواطنين هو الهدف، سنحصل على شوارع أكثر نظامًا، وهواء أكثر نقاءً، ومدن أكثر تحضرًا، ومجتمع يتمتع بصحة أفضل. فصحة الإنسان ليست مجرد ملف خدمي، بل هي أساس التنمية، وثروة الوطن الحقيقية، والاستثمار الذي لا يقدر بثمن.

مقالات وآراء

الرباعي الإقليمي

الاجتماع الرباعي الذي يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في القاهرة، يمثل أول خطوة عملية لوضع الأسس لاستمرار التنسيق فيما بينهم بعد اجتماع مارس الماضي. ويمكن القول إن هذا الرباعي كان أحد أهم مسارات التمهيد وتهيئة المناخ، خاصة عبر الدور الباكستاني في الوساطة والتنسيق، وصولاً إلى مفاوضات جنيف لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
هذا التنسيق يحمل طابعاً مرحلياً تفرضه الظروف الراهنة، مع إمكانية تطوره مستقبلاً إلى إطار تعاون أوسع، وتمثل هذا في أن اجتماع القاهرة، ربما جاء كرد فعل مباشر على مفاوضات جنيف وما يمكن أن تسفر عنها من إعادة تموضع للنظام الإيراني في المنطقة.
من الأهداف الرئيسية للاجتماع الرباعي الأخير بالقاهرة، وهو محاولة صياغة شبكة أمان إقليمية لمواجهة التفاهمات الإيرانية الأمريكية الناشئة، وتحديداً بعد توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" الأخيرة في 18 يونيو، والتي فتحت الباب لإعادة ترتيب الأوراق الإقليمية.
وهو حتى الآن لا يزال في مرحلة استكشاف نقاط الالتقاء، ولم يصل بعد إلى مستوى التحالف الصلب، خاصة أن طبيعة العلاقات بين هذه الدول تحديداً تجعل من الضروري أن يكون أي “تطور مستقبلي” قائماً على المصالح المشتركة، وليس على أساس أيديولوجي موحد.
تاريخياً، العلاقات السعودية الباكستانية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى مربع "الأمن الاستراتيجي المشترك". وهناك ما يمكن وصفه بمحاولة لسحب إسلام آباد بعيداً عن الاستقطاب الإيراني، خاصة أن باكستان، تظل القوة النووية الوحيدة في هذا المحور، والدعم المالي والنفطي السعودي يمثل دائماً شريان حياة لها.
أيضاً التقارب المصري التركي وتحديداً في منطقة البحر الأحمر وباب المندب يمثل نقلة نوعية. مصر تمتلك القوة البحرية والنفوذ التاريخي في السويس، وتركيا تمتلك حضوراً عسكرياً خاصة في مجال المسيرات والصناعات الدفاعية. التقاؤهما يمثل حائط صد حقيقي أمام محاولات طهران فرض معادلات جديدة في الممرات المائية عبر حلفائها.
فهذا التكتل الناشئ يمتلك ثقلاً جيوسياسياً كبيراً، ما يؤهله لأن يكون منصة فاعلة لمعالجة النزاعات الإقليمية والتحديات الأوسع التي تواجهها المنطقة. لكنه بالتأكيد سيتطلب تطوير آليات أكثر كفاءة لتمكينه من تسوية تلك النزاعات لترسيخ الاستقرار الإقليمي، وربما تكون الأزمة الإيرانية بكل أذرعها هي الاختبار الحقيقي لهذا الرباعي.
وهذا تحديداً قد يتبدى مستقبلاً فيما يتعلق بأزمة حزب الله في جنوب لبنان، التي حولتها طهران من سلاح للمقاومة إلى ورقة ضغط في مفاوضات جنيف، مثلها مثل مضيق هرمز.
في أدبيات العلوم السياسية، توظف الدول الإقليمية الأطراف المسلحة كـ "مصدات أمنية" أو "أوراق ضغط"، وعندما تصل الدولة الأم (طهران) إلى تفاهمات كبرى مع القوى العظمى (واشنطن)، تتغير وظيفة هذه الأوراق.
فإجبار واشنطن على تقييد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لم يكن انتصاراً عسكرياً محضاً لحزب الله بقدر ما كان ثمرة صفقة سياسية أكبر أدارتها طهران خلف الكواليس. وطهران مستعدة دائماً لتهدئة الجبهات أو تجميدها إذا كان المقابل هو الاعتراف بنفوذها الإقليمي وتخفيف الحصار الاقتصادي عنها.
هذا ما يولد ما يعرف بحدود "الاستغناء"، وقد لا تعني بالضرورة تصفية الحزب، بل تحجيم دوره العسكري الخارجي وتحويله إلى قوة سياسية محلية مستقرة، وهو ما يعني عملياً انتهاء صلاحيته كـ "رأس حربة" للمشروع الإيراني الهجومي، وتحوله إلى "حارس حدود" للتفاهمات الجديدة. التاريخ الإيراني مليء باللحظات التي قدمت فيها طهران براغماتيتها السياسية على شعاراتها الأيديولوجية.
تبعية الحزب المطلقة لإيران تمثل جوهر الحقيقة الهيكلية لهذا الفصيل. فالحزب ليس مجرد حليف محلي لإيران يمكنه المناورة، بل هو امتداد عضوي وعقائدي ومؤسسي لنظرية ولاية الفقيه. بالتالي، فإن فكرة التمرد أو اتخاذ مسار منفصل عن التوجه الإيراني تبدو مستحيلة عملياً، لأن شرعيته، ووجوده السياسي، وتمويله العسكري، كلها عناصر مرتبطة بنيوياً بالقرار في طهران. وإذا فرضت التسويات الكبرى على طهران تحجيم الدور العسكري للحزب، فسينصاع مرغماً للحفاظ على ما تبقى من مكتسباته السياسية والاجتماعية داخل لبنان، لأن خيار التحدي يعني الانتحار الكامل وانقطاع شريان الحياة عنه.
قد يمتلك الرباعي فرصة كبيرة للمساهمة لتقليص فاعلية ورقة حزب الله في يد المفاوض الإيراني، من خلال دعم الجيش اللبناني وتشديد الرقابة على قنوات الدعم المالي لعناصر الحزب. لو نجح "الرباعي" في ملف الحزب سيكون مهيئاً للعب دور حاسم فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية المستقبلية في الخليج والشرق الأوسط.
بالتأكيد الرباعي لا يهدف إلى إعلان حرب أو إشعال مواجهة عسكرية، بل إلى خلق "قوة ردع سياسية وعسكرية" تجعل طهران تدرك أن أي مكاسب تجنيها من تفاهماتها الدولية (مثل مذكرة تفاهم إسلام آباد ومفاوضات جنيف) لن تترجم بمرونة على الأرض العربية.

مقالات وآراء

النيل.. من شريان الحياة إلى مقبرة للفقراء الباحثين عن لحظة سعادة


بقلم: د. أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

ظل نهر النيل عبر آلاف السنين رمزًا للحياة والعطاء، وارتبط في وجدان المصريين بالخير والجمال والدفء الإنساني، فهو الشريان الذي منح الوطن أسباب البقاء والنماء. لكن المؤلم أن هذا النهر العظيم بات في كل صيف شاهداً على مآسٍ متكررة، حيث يتحول إلى مقبرة مفتوحة لأطفال وشباب لم يكن ذنبهم سوى البحث عن لحظات من السعادة والهروب من حرارة الطقس المرتفعة في ظل ظروف اقتصادية صعبة وواقع اجتماعي يزداد تعقيدًا يوماً بعد يوم.

فمع الارتفاع غير المسبوق في أسعار المصايف والمنتجعات وأماكن الترفيه، أصبحت الرحلة الصيفية حلماً بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر المصرية البسيطة. وبينما يجد البعض متنفسه على الشواطئ وحمامات السباحة المجهزة، يقف أبناء القرى والمناطق الشعبية أمام خيارات محدودة للغاية، فيلجأون إلى النيل والترع والمجاري المائية باعتبارها البديل المجاني الوحيد المتاح لهم.

وهنا تبدأ المأساة.

كل عام نستيقظ على أخبار موجعة عن أطفال في عمر الزهور وشباب في مقتبل العمر خرجوا بحثاً عن المتعة والمرح، فعادوا إلى أسرهم جثامين هامدة. لحظات كان من المفترض أن تكون ذكرى سعيدة تتحول إلى فاجعة تترك جرحاً لا يندمل في قلوب الآباء والأمهات، وتتحول البيوت التي كانت تنتظر عودة أبنائها بالضحكات إلى سرادقات عزاء ودموع لا تتوقف.

والمؤلم أن غالبية هؤلاء الضحايا ليسوا من أبناء الطبقات القادرة على توفير وسائل الترفيه الآمنة، بل من أبناء الأسر البسيطة الذين دفعتهم ضغوط الحياة إلى البحث عن متنفس مجاني. فبينما ينعم البعض بحمامات سباحة مؤمنة ومنقذين محترفين وشواطئ مجهزة بأعلى درجات الأمان، يجد كثير من الأطفال والشباب أنفسهم أمام مياه النيل باعتبارها الخيار الوحيد للهروب من حرارة الصيف القاسية. وهنا لا تصبح حوادث الغرق مجرد حوادث فردية، بل تتحول إلى قضية اجتماعية وإنسانية تستوجب وقفة جادة من الجميع.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع غياب البدائل الآمنة في العديد من المحافظات والقرى، حيث تفتقر كثير من مراكز الشباب إلى حمامات سباحة مجهزة تسمح للأطفال والشباب بممارسة الرياضة والترفيه تحت إشراف متخصصين. كما أن غياب الرقابة والمتابعة في العديد من المناطق المطلة على النيل يفتح الباب أمام مغامرات غير محسوبة العواقب، خصوصاً خلال موجات الحر الشديدة التي تدفع الشباب والأطفال إلى المياه دون إدراك كامل للمخاطر.

ومن الناحية الصحية، فإن السباحة في أماكن غير مخصصة لذلك تمثل خطراً بالغاً على الحياة. فتيارات المياه المتغيرة، والأعماق غير المعروفة، والحفر المفاجئة، إضافة إلى احتمالات التلوث في بعض المناطق، كلها عوامل تجعل من السباحة في النيل مغامرة قد تنتهي بكارثة في ثوانٍ معدودة. وما يزيد من حجم الخطر هو عدم توافر فرق إنقاذ أو وسائل إسعاف قريبة في كثير من المواقع التي تشهد مثل هذه الحوادث.

إن ما يحدث كل صيف يجب ألا يُنظر إليه باعتباره قدراً محتوماً، بل نتيجة لغياب التخطيط الكافي وتراجع الاهتمام بتوفير مساحات آمنة لممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية. فحق الأطفال والشباب في الترفيه ليس رفاهية، بل جزء أساسي من حقهم في حياة كريمة وآمنة. وعندما نعجز عن توفير البدائل المناسبة لهم، فإننا ندفعهم دون قصد إلى البحث عن المتعة في أماكن قد تكلفهم حياتهم.

ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى خطة متكاملة تشمل التوسع في إنشاء حمامات سباحة عامة بأسعار رمزية داخل مراكز الشباب والأندية الشعبية، وتطوير المنشآت الرياضية القائمة، وإطلاق حملات توعية مستمرة للأسر والأطفال بخطورة السباحة في النيل والترع والمجاري المائية غير المخصصة لذلك، إلى جانب تشديد الرقابة في المناطق التي تشهد حوادث غرق متكررة وتوفير فرق إنقاذ وإسعاف مدربة خلال أشهر الصيف.

إن الاستثمار في حمامات السباحة العامة ومراكز الشباب ليس إنفاقاً على الترفيه فقط، بل هو استثمار حقيقي في حماية الأرواح. فتكلفة إنشاء حمام سباحة آمن أو تدريب فرق إنقاذ تظل أقل بكثير من الثمن الباهظ الذي تدفعه الأسر المصرية حين تفقد أبناءها في لحظات كان يفترض أن تكون لحظات فرح وسعادة. فكل طفل نفقده غرقاً هو جرس إنذار جديد يدعونا إلى التحرك، وكل شاب يرحل بحثاً عن لحظة استجمام هو رسالة مؤلمة تؤكد أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوات جادة وحقيقية.

رحم الله ضحايا الغرق في كل أنحاء مصر، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وحفظ أبناءنا من كل سوء. وليبقَ النيل دائماً كما عرفناه عبر التاريخ رمزاً للحياة والعطاء والجمال، لا عنواناً متكرراً لأخبار الفقد والحزن التي تمزق القلوب مع كل صيف جديد.

مقالات وآراء

حرب12 ساعة..الرسائل والأهداف

سواء كان هناك اتفاق من عدمه بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لقصف إيران كأداة ضغط لحلحلة الموقف على طاولة المفاوضات، فيبدو أن نظام طهران قرر المضي قدماً والسقوط في (الفخ)، ولكن بشروطه، وشن ضربات صاروخية تركزت على مناطق الشمال والجليل الأعلى للتأكيد على عدم رغبته في توسيع دائرة الهجمات بأكثر مما هو مخطط له.
فعلياً، انتهت الهجمات المتبادلة بعد أن هددت إيران بالانسحاب من طاولة المفاوضات. ورغم أنها لم تستمر أكثر من اثنتي عشرة ساعة، إلا أنها حملت الكثير من الرسائل الإيرانية، منها ما هو سياسي واقتصادي مثل:
أن إيران أرادت التأكيد على ربط المسار اللبناني بالمفاوضات الإيرانية-الأمريكية. والعودة إلى المعادلة السابقة، وهي، “الضاحية الجنوبية في بيروت خارج الحسابات”. إنها ما زالت تمتلك اليد العليا في المفاوضات، فبمجرد أن هددت بتجميد التفاوض مع واشنطن تحرك ترامب فوراً وطالب نتنياهو بوقف الهجمات. إن طهران ليست في عجلة من أمرها لتوقيع اتفاقية مع ترامب، لذلك تفضل أن تبقي شروطها دوماً متغيرة على طاولة التفاوض تبعاً لسير الأحداث. خلال ساعات الحرب، أغلقت إيران مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع برميل النفط بما يقرب من 25 دولاراً، بما يؤكد أن ورقة المضيق ما زالت فاعلة في يد النظام الإيراني.
ومنها ما هو عسكري مثل: أنها ما تزال تمتلك أدوات وأسلحة وصواريخ يمكنها ضرب العمق الإسرائيلي، وكل ما قيل عن تدمير 90% من صواريخها يحتاج إلى مراجعة وأدلة قوية. قصف الحوثيين إسرائيل بصاروخ يؤكد أن خطر وحدة الساحات ما زال قائماً ولم ينتهِ كما يزعم نتنياهو. أكدت أيضاً قدرتها على توسيع نطاق العمليات لتشمل مضيق باب المندب، بعد أن أعلنت الجماعة الحوثية غلق المضيق أمام السفن الإسرائيلية. تم استخدام نوع جديد من الصواريخ الباليستية “خيبر شيكن” ذات الوقود الصلب الذي يمتلك قدرة كبيرة على المناورة في مواجهة المضادات الأرضية.
الرسائل التي أفرزتها هذه الحرب ربما تكون قد عززت من معنويات حزب الله. أما رسالة طهران الأقوى فهي: أي اتفاق يتجاهل مصالحها سيترك المنطقة مشتعلة. إسرائيل، لبنان، الحوثيين، مضيق هرمز، القواعد الأمريكية، والخليج كلها بضغط زر واحدة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية إذا ما وضع في سياق التطورات التي شهدتها الأسابيع الماضية، حيث شعرت طهران أن هناك محاولات لتقليم أظافرها في العراق، بالتلميحات التي ذكرت أن الميليشيات المسلحة التي تدعمها تستعد لتسليم أسلحتها للسلطات في بغداد. لكنها في الوقت نفسه كانت مشغولة بالمحادثات اللبنانية مع تل أبيب في واشنطن، الهادفة إلى حرمانها من ورقتها الأقوى “حزب الله” اللبناني، وهو ما كانت تنظر إليه بوصفه خسارة لذراعين مهمتين من أذرع نفوذها الإقليمي دون مقابل واضح.
لذا يجب قراءة القصف الصاروخي الأخير لإيران على أنه أكثر من مجرد رد على ضربة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية، بل جزء من محاولة أوسع لاستخدام إسرائيل نفسها كورقة ضغط في المفاوضات مع واشنطن، وذلك بمعادلة خاصة جداً: إسرائيل تضرب حزب الله، تطلق إيران صواريخها على إسرائيل، ترامب يحث الطرفين على العودة إلى الطاولة، ويحصل حزب الله على مظلة دبلوماسية وعسكرية غير مباشرة.
إيران التي تدرك أن الولايات المتحدة لا تريد العودة إلى الحرب، تريد أن تظهر أنها قادرة على تهديد المنطقة بأكملها على طول 3000 ميل من خطوط الجبهة من لبنان إلى الخليج واليمن.
أيضاً في المقابل هناك مخاوف لدى النظام في إيران ليس من مخاطر حرب إقليمية شاملة، ولكن من انفضاح أمره أمام الشعب، وقد كشف الصراع عن نقاط الضعف العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للنظام.
فالحرب تمنح هذا النظام الانضباط والخوف والتبرير. فإعادة الإعمار ستتطلب أولويات، ومساءلة، ولغة مختلفة للحكم. وهو الذي قضى عقوداً في بناء دولة تعيش تحت القصف والصراعات وليس للسلام والرفاهية. فالحروب تسمح للأنظمة بإعادة ترتيب الأولويات وتأجيل الأسئلة الداخلية الملحة تحت شعار الأمن القومي.
وفي الحقيقة فإن إيران تطلق النار لتحديد الثمن الذي يجب أن يدفعه ترامب لها على طاولة التفاوض سواء في لحظات الهدوء أو الصراع. لهذا السبب هي تريد فوائد الاتفاق مع الحفاظ على الأدوات التي جعلت الاتفاق ضرورياً في المقام الأول.
طهران تعي جيداً نقطة ضعف ترامب وحاجته إلى اتفاق عاجل، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أيضاً تحمل اتفاق ضعيف يبدو كنسخة باهتة من اتفاق عهد أوباما، فهو يسعى إلى حزمة أوسع تشمل: مضيق هرمز مفتوحاً، أسواقاً أكثر هدوءاً، مساحة للتنفس لدول الخليج، وربما إطاراً أوسع لاتفاقيات إبراهيم.…

مقالات وآراء

حرب12 ساعة..الرسائل والأهداف

سواء كان هناك اتفاق من عدمه بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لقصف إيران كأداة ضغط لحلحلة الموقف على طاولة المفاوضات، فيبدو أن نظام طهران قرر المضي قدماً والسقوط في (الفخ)، ولكن بشروطه، وشن ضربات صاروخية تركزت على مناطق الشمال والجليل الأعلى للتأكيد على عدم رغبته في توسيع دائرة الهجمات بأكثر مما هو مخطط له.
فعلياً، انتهت الهجمات المتبادلة بعد أن هددت إيران بالانسحاب من طاولة المفاوضات. ورغم أنها لم تستمر أكثر من اثنتي عشرة ساعة، إلا أنها حملت الكثير من الرسائل الإيرانية، منها ما هو سياسي واقتصادي مثل:
أن إيران أرادت التأكيد على ربط المسار اللبناني بالمفاوضات الإيرانية-الأمريكية. والعودة إلى المعادلة السابقة، وهي، “الضاحية الجنوبية في بيروت خارج الحسابات”. إنها ما زالت تمتلك اليد العليا في المفاوضات، فبمجرد أن هددت بتجميد التفاوض مع واشنطن تحرك ترامب فوراً وطالب نتنياهو بوقف الهجمات. إن طهران ليست في عجلة من أمرها لتوقيع اتفاقية مع ترامب، لذلك تفضل أن تبقي شروطها دوماً متغيرة على طاولة التفاوض تبعاً لسير الأحداث. خلال ساعات الحرب، أغلقت إيران مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع برميل النفط بما يقرب من 25 دولاراً، بما يؤكد أن ورقة المضيق ما زالت فاعلة في يد النظام الإيراني.
ومنها ما هو عسكري مثل: أنها ما تزال تمتلك أدوات وأسلحة وصواريخ يمكنها ضرب العمق الإسرائيلي، وكل ما قيل عن تدمير 90% من صواريخها يحتاج إلى مراجعة وأدلة قوية. قصف الحوثيين إسرائيل بصاروخ يؤكد أن خطر وحدة الساحات ما زال قائماً ولم ينتهِ كما يزعم نتنياهو. أكدت أيضاً قدرتها على توسيع نطاق العمليات لتشمل مضيق باب المندب، بعد أن أعلنت الجماعة الحوثية غلق المضيق أمام السفن الإسرائيلية. تم استخدام نوع جديد من الصواريخ الباليستية “خيبر شيكن” ذات الوقود الصلب الذي يمتلك قدرة كبيرة على المناورة في مواجهة المضادات الأرضية.
الرسائل التي أفرزتها هذه الحرب ربما تكون قد عززت من معنويات حزب الله. أما رسالة طهران الأقوى فهي: أي اتفاق يتجاهل مصالحها سيترك المنطقة مشتعلة. إسرائيل، لبنان، الحوثيين، مضيق هرمز، القواعد الأمريكية، والخليج كلها بضغط زر واحدة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية إذا ما وضع في سياق التطورات التي شهدتها الأسابيع الماضية، حيث شعرت طهران أن هناك محاولات لتقليم أظافرها في العراق، بالتلميحات التي ذكرت أن الميليشيات المسلحة التي تدعمها تستعد لتسليم أسلحتها للسلطات في بغداد. لكنها في الوقت نفسه كانت مشغولة بالمحادثات اللبنانية مع تل أبيب في واشنطن، الهادفة إلى حرمانها من ورقتها الأقوى “حزب الله” اللبناني، وهو ما كانت تنظر إليه بوصفه خسارة لذراعين مهمتين من أذرع نفوذها الإقليمي دون مقابل واضح.
لذا يجب قراءة القصف الصاروخي الأخير لإيران على أنه أكثر من مجرد رد على ضربة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية، بل جزء من محاولة أوسع لاستخدام إسرائيل نفسها كورقة ضغط في المفاوضات مع واشنطن، وذلك بمعادلة خاصة جداً: إسرائيل تضرب حزب الله، تطلق إيران صواريخها على إسرائيل، ترامب يحث الطرفين على العودة إلى الطاولة، ويحصل حزب الله على مظلة دبلوماسية وعسكرية غير مباشرة.
إيران التي تدرك أن الولايات المتحدة لا تريد العودة إلى الحرب، تريد أن تظهر أنها قادرة على تهديد المنطقة بأكملها على طول 3000 ميل من خطوط الجبهة من لبنان إلى الخليج واليمن.
أيضاً في المقابل هناك مخاوف لدى النظام في إيران ليس من مخاطر حرب إقليمية شاملة، ولكن من انفضاح أمره أمام الشعب، وقد كشف الصراع عن نقاط الضعف العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للنظام.
فالحرب تمنح هذا النظام الانضباط والخوف والتبرير. فإعادة الإعمار ستتطلب أولويات، ومساءلة، ولغة مختلفة للحكم. وهو الذي قضى عقوداً في بناء دولة تعيش تحت القصف والصراعات وليس للسلام والرفاهية. فالحروب تسمح للأنظمة بإعادة ترتيب الأولويات وتأجيل الأسئلة الداخلية الملحة تحت شعار الأمن القومي.
وفي الحقيقة فإن إيران تطلق النار لتحديد الثمن الذي يجب أن يدفعه ترامب لها على طاولة التفاوض سواء في لحظات الهدوء أو الصراع. لهذا السبب هي تريد فوائد الاتفاق مع الحفاظ على الأدوات التي جعلت الاتفاق ضرورياً في المقام الأول.
طهران تعي جيداً نقطة ضعف ترامب وحاجته إلى اتفاق عاجل، وهو في الوقت نفسه لا يستطيع أيضاً تحمل اتفاق ضعيف يبدو كنسخة باهتة من اتفاق عهد أوباما، فهو يسعى إلى حزمة أوسع تشمل: مضيق هرمز مفتوحاً، أسواقاً أكثر هدوءاً، مساحة للتنفس لدول الخليج، وربما إطاراً أوسع لاتفاقيات إبراهيم.…

مقالات وآراء

حين يتحول الليل إلى اعتداء وضجيج على حقوق الآخرين


بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

في السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة مقلقة في العديد من الأحياء السكنية، تتمثل في تجمع أعداد كبيرة من الشباب في الشوارع والنواصي والساحات المفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، وسط أحاديث صاخبة وضحكات مرتفعة وأحيانًا تشغيل للموسيقى أو استخدام الدراجات النارية والسيارات بصورة تسبب إزعاجًا مستمرًا للسكان. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أنها لم تعد مقتصرة على بعض المناطق الشعبية أو الشوارع التجارية، بل امتدت إلى العديد من التجمعات السكنية الحديثة والكمبوندات التي أنشئت أساسًا لتوفير الهدوء والخصوصية وجودة الحياة.

ولا أحد يعترض على حق الشباب في الترفيه أو اللقاء بالأصدقاء أو ممارسة الأنشطة الاجتماعية، فهذه أمور طبيعية وصحية ومطلوبة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى اعتداء على حقوق الآخرين في الراحة والنوم والهدوء، خاصة في أوقات متأخرة من الليل، دون مراعاة لوجود مرضى أو كبار سن أو أطفال أو طلاب يستعدون للامتحانات.

ومن الناحية الطبية، فإن الضوضاء الليلية المستمرة تمثل أحد أهم أسباب اضطرابات النوم المزمنة، والتي تؤثر بصورة مباشرة على صحة الإنسان الجسدية والنفسية. فالنوم ليس رفاهية كما يعتقد البعض، بل هو ضرورة حيوية يحتاجها الجسم لاستعادة نشاطه وتنظيم وظائفه المختلفة. وعندما يتعرض الإنسان للاستيقاظ المتكرر بسبب الأصوات المرتفعة، تبدأ سلسلة من المشكلات الصحية التي قد تتفاقم مع مرور الوقت.

فالمرضى الذين يعانون من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم قد تتأثر حالتهم سلبًا نتيجة التوتر المستمر وقلة النوم، كما أن مرضى السكري يواجهون صعوبة أكبر في ضبط مستويات السكر بالدم عند اضطراب النوم بشكل متكرر. كذلك يعاني مرضى الجهاز الهضمي والقولون العصبي من زيادة حدة الأعراض نتيجة الإجهاد العصبي وقلة الراحة، بينما يواجه كبار السن معاناة مضاعفة بسبب حساسية أجسامهم لأي اضطراب في ساعات النوم الطبيعية.

أما الطلاب، خاصة طلاب الثانوية العامة والجامعات، فهم من أكثر الفئات تضررًا من هذه الظاهرة. ففترة الامتحانات تتطلب أعلى درجات التركيز والاستيعاب، والنوم الجيد يعد أحد أهم عوامل النجاح والتحصيل الدراسي. وقد أثبتت الدراسات الطبية أن قلة النوم تؤثر سلبًا على الذاكرة والانتباه والقدرة على استرجاع المعلومات، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الأداء الأكاديمي للطلاب ومستقبلهم العلمي.

ولا تقتصر الأضرار على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، حيث يشعر كثير من السكان بحالة من التوتر والغضب والعجز نتيجة عدم قدرتهم على الحصول على حقهم الطبيعي في الهدوء داخل منازلهم. ومع تكرار هذه المواقف تنشأ مشكلات وخلافات بين الجيران قد تتطور إلى نزاعات لا داعي لها، كان يمكن تجنبها بمجرد التحلي بقليل من الذوق العام واحترام الآخرين.

والمؤسف أن بعض الشباب ينظرون إلى هذه التجمعات باعتبارها أمرًا عاديًا لا يسبب أي ضرر، بينما الواقع يؤكد أن هناك مريضًا يحاول النوم بعد يوم طويل من المعاناة، أو طالبًا يراجع دروسه استعدادًا لامتحان مصيري، أو موظفًا يحتاج إلى الراحة ليستطيع أداء عمله في اليوم التالي، أو طفلًا يحتاج إلى نوم هادئ لنموه الطبيعي.

ولعل ما يثير الانتباه أن تعاليم ديننا الحنيف سبقت جميع القوانين واللوائح في تنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وإرساء قواعد احترام الطريق وحقوق الآخرين. فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». وإذا كان كف الأذى من أعظم حقوق الطريق، فإن الأذى لا يقتصر على الاعتداء المباشر، بل يشمل كل سلوك يسبب إزعاجًا للناس أو يحرمهم من حقهم في الراحة والسكينة. ومن هنا فإن السهر الصاخب ورفع الأصوات في ساعات الليل المتأخرة وإقلاق راحة المرضى وكبار السن والطلاب يتنافى مع جوهر هذه القيم النبوية الراقية التي تدعو إلى الرحمة ومراعاة أحوال الآخرين واحترام حقوقهم.

كما أن الأضرار الصحية الناتجة عن الضوضاء المستمرة لا تتوقف عند اضطرابات النوم فقط، بل تمتد آثارها التراكمية إلى العديد من أجهزة الجسم. فقد تؤدي حالة التوتر المزمن الناتجة عن الضجيج المستمر إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، وهو ما يرفع من احتمالات الإصابة بمضاعفات القلب والأوعية الدموية، كما قد يؤثر سلبًا على كفاءة الجهاز المناعي ويزيد من حدة بعض أمراض الجهاز التنفسي لدى الفئات الأكثر حساسية، فضلًا عن تأثيره المباشر على الصحة النفسية ومستويات القلق والانفعال لدى الأفراد.

والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الأسر انتقلت إلى التجمعات السكنية الحديثة والكمبوندات هربًا من صخب المدن المزدحمة، وسعيًا وراء بيئة أكثر هدوءًا وراحة لأبنائها، إلا أن بعض هذه المظاهر السلبية بدأت تتسلل إليها تدريجيًا، حتى أصبح بعض السكان يشعرون بأنهم فقدوا الميزة الأساسية التي دفعتهم لاختيار هذه المجتمعات السكنية من الأصل. فالهدوء ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل عنصر أساسي من عناصر جودة الحياة، وحق مشروع لكل إنسان داخل منزله، بغض النظر عن عمره أو حالته الصحية أو طبيعة عمله.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك مجتمعي وتشريعي أكثر فاعلية لمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تؤرق آلاف الأسر. فمع أهمية القوانين الحالية المنظمة للسكينة العامة، إلا أن الواقع يؤكد الحاجة إلى آليات أسرع وأكثر حسمًا في التعامل مع شكاوى الإزعاج المتكرر، خاصة في المناطق السكنية. فكما تحمي القوانين الممتلكات العامة والخاصة، يجب أن تحمي أيضًا حق المواطن في الراحة والنوم والعيش في بيئة صحية مستقرة. إن الإزعاج المتعمد والمتكرر لم يعد مجرد مخالفة سلوكية أو تجاوز للذوق العام، بل أصبح في كثير من الأحيان مصدرًا مباشرًا للضرر الصحي والنفسي والاجتماعي، الأمر الذي يستدعي تغليظ العقوبات وتسريع إجراءات التعامل مع هذه المخالفات بما يحقق الردع ويحفظ حقوق السكان.

ولا يعني ذلك التضييق على الشباب أو حرمانهم من حقهم المشروع في الترفيه والتواصل الاجتماعي، وإنما تنظيم هذا الحق بما يحقق التوازن بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، بحيث لا تتحول حرية البعض إلى معاناة يومية للآخرين. فالحياة المدنية السليمة تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، وعلى إدراك أن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا باحترام حدودها وعدم الإضرار بالغير.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات التنفيذية وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي يجب أن تغرس في أبنائها قيم احترام الآخرين والشعور بالمسؤولية المجتمعية، وتمر بالمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية التي يقع على عاتقها نشر ثقافة احترام القانون والذوق العام، وتنتهي عند المواطن نفسه الذي ينبغي أن يكون شريكًا إيجابيًا في الحفاظ على راحة مجتمعه وسلامته.

إن المجتمع الذي يحترم حق المريض في الراحة، وحق الطالب في المذاكرة، وحق العامل في النوم، هو مجتمع يدرك أن التحضر لا يبدأ من الأبراج الشاهقة والطرق الواسعة أو فخامة الكمبوندات، بل يبدأ من احترام الإنسان للإنسان. فالهدوء ليلًا ليس امتيازًا يمنحه أحد لأحد، وإنما حق أصيل تكفله القيم الدينية والأخلاقية والقوانين المنظمة للحياة، وحمايته مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأسرة والمجتمع والدولة معًا. وعندما ندرك جميعًا أن كلمة مرتفعة أو ضحكة صاخبة في ساعة متأخرة قد تحرم مريضًا من الراحة أو طالبًا من التركيز أو أسرة كاملة من النوم، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر تحضرًا ورحمة وإنسانية.

مقالات وآراء

ترامب والهروب من المستنقع الإيراني

الانقسام صارخ بين الروايتين الأمريكية والإيرانية، حول بنود اتفاق التفاهم المفترض توقيعه بين الجانبين لإنهاء الحرب. ما تعلنه طهران، تنفيه واشنطن، وما يؤكده وزير الخارجية عباس عراقجي، يكذبه نظيره الأمريكي، مايك روبيو.
وما بين هذا وذاك، تبقى المؤشرات المتاحة للتقييم قليلة جداً، وتنحصر في الملف النووي ومضيق هرمز والأموال التي سيُفرج عنها وأخيرًا رفع الحصار البحري عن إيران.
في أغلب الأحيان نحن أمام اتفاق تراتبي، خطوة مقابل خطوة، ما يعني أن تعثر تنفيذ أي التزام سيؤدي إلى تراجع أو على أقل تقدير تجميد لعملية المفاوضات. في كل الأحوال، الوضع بالكامل سيكون هشاً وفرص انهياره أكبر من قابلية تنفيذه.
لذلك، فإن الانتقال من "ضبابية النصوص والمفاوضات" إلى "صلابة الحقائق على الأرض" هو الأسلوب الرصين والوحيد القادر على تقديم قراءة صادقة وواقعية. بناء على ذلك، هناك نتائج ثابتة وملموسة تحققت بالفعل في هذه المعادلة:
أولاً، أن فتح مضيق هرمز بيد إيران أصبح حقيقة جيوسياسية. هذه النتيجة الميدانية تعكس تحولا حاسما في موازين القوى. وإجراء الفتح الذي تم برغبة وإشراف إيراني يثبت عمليا أن طهران فرضت واقعا جديدا أصبحت فيه الملاحة بالمضيق ربما تحت قرارها المباشر لحين إشعار آخر.
وهذا ينقلنا مباشرة إلى تهديد ترامب الذي أطلقه ضد سلطنة عمان، والتي كشفت تقارير استخباراتية أنها تتعاون مع السلطات الإيرانية لترتيب وتنسيق عملية المرور في المضيق، ما يشير إلى أن طهران باتت تسبق بخطوة، خاصة أن الرسوم المقررة من جانب طهران لن تفرض باعتبارها إتاوة لكن مقابل خدمات لوجيستية على حسب ما أعلنت هيئة إدارة المضيق التي أنشأتها طهران.

هذا التحقق على الأرض يتجاوز أي نصوص تفاوضية؛ لأنه يدعم نفوذ إيران على واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وهو اعتراف ضمني من القوى الدولية بقدرة إيران على الإغلاق والفتح بناء على مصالحها. 
ثانياً، أن إعلان ترامب وتأكيده على رفع الحصار والقيود يمثل نتيجة مادية ثابتة لا يمكن نفيها، بغض النظر عن تفاصيل الاتفاق "السري". هذا الإجراء يحمل دلالة سياسية واقتصادية كبرى؛ فهو يعكس تراجعا أمريكيا حاداً عن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي مارستها الإدارات الأمريكية لسنوات، وهو أيضا اعتراف من واشنطن بعدم جدوى العقوبات في إخضاع النظام الإيراني، بل وتحولا نحو تقديم تنازلات اقتصادية ملموسة لطهران لوقف التصعيد.
ثالثاً، البند المتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية، وهذا الأمر قد حسم بشكل ما أثناء الزيارة التي قام بها وفد إيراني رفيع المستوى ضم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، بالإضافة إلى محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.
فالزيارة تمثل دليلاً على أن الحصار بدأ يتفكك فعليا عبر قنوات مالية؛ فالنقاش تركز على آلية الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. 
الرواية الميدانية المسربة تشير إلى أن طهران تتعامل بحذر شديد وتطالب بالحصول على نصف المبلغ، أي 12 مليار دولار، فور التوقيع على مذكرة التفاهم التي تضم 14 بندا، والنصف الآخر خلال 60 يوما، لتجنب تجارب التعنت الأمريكي السابقة.
رابعاً، تصريحات المسؤولين الأمريكيين لموقع "أكسيوس" عن الحصول على تعهدات شفهية إيرانية بعدم السعي لتطوير سلاح نووي وتجميد التخصيب خلال فترة الـ 60 يوما، تبدو كأداة تسويق سياسي يحتاجها ترامب بشدة.
 من الناحية الاستراتيجية، "التعهدات الشفهية" لا قيمة قانونية أو تقنية لها في عالم الاتفاقيات النووية. لكن إدارة ترامب وإعلام واشنطن يدفعون بهذا الخطاب لتبرير التراجع عن سياسة "الضغط الأقصى" ورفع الحصار والموافقة على مناقشة الإفراج عن مليارات الدولارات، مظهرين الأمر وكأن أمريكا فرضت شروطها النووية سلفا.
في المقابل، تؤكد المعطيات القادمة من طهران أن الملف النووي قد تم ترحيله بالكامل ليكون مادة للتفاوض خلال فترة الـ 60 يوما وليس شرطا مسبقا للتوقيع؛ وبالتالي، فإن النفي الإيراني يأتي لرفض الرواية الأمريكية التي تحاول تصوير طهران وكأنها استسلمت في الملف النووي مقابل رفع الحصار.
هذا التباين الحاد بين البروباغندا السياسية والواقع الميداني، يوضح أن ما يحدث يمثل "اتفاق بلا هوية" وهو أقرب إلى "صفقة تهدئة ميدانية واقتصادية مؤقتة"، جرى غزلها بغطاء من التصريحات المتناقضة.
يمكن أن نتفهم النفي أو التكذيب الإيراني باعتباره جاء من الدولة الأضعف تقنيا في هذا الصراع، لكن في الوقت نفسه يصعب فهم النفي الأمريكي والتذبذب والتضارب في التصريحات الصادرة سواء من البيت الأبيض أو الرئيس ترامب، إلا من خلال القاعدة السياسية التي تم ترسيخها أثناء حرب فيتنام التي تقول "عندما تكذب الدول الكبرى فهي في أزمة".
نحن بالفعل أمام مشهد يتحدث فيه الميدان بصوت أعلى من السياسيين. رفع الحصار وتدفق الحركة عبر المضيق هما الحقيقتان اللتان تعيدان تشكيل واقع الشرق الأوسط الآن، فإيران حصلت على متنفسها الاقتصادي مع تثبيت نفوذها البحري، أما ترامب فقد حصل على التهدئة التي يحتاجها للهروب من المستنقع، قبل أن تتقلص أوراقه وخياراته مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وما بينهما من بنود سرية يظل تفصيلاً ثانويا أمام هذه النتائج الكبرى التي قد تغير الواقع الاستراتيجي للمنطقة بالكامل. لهذا يبدو أن الاتفاق، رغم غموض هويته، صيغ لشراء الوقت أكثر مما صيغ لحسم الصراع.

مقالات وآراء

ترامب والهروب من المستنقع الإيراني

الانقسام صارخ بين الروايتين الأمريكية والإيرانية، حول بنود اتفاق التفاهم المفترض توقيعه بين الجانبين لإنهاء الحرب. ما تعلنه طهران، تنفيه واشنطن، وما يؤكده وزير الخارجية عباس عراقجي، يكذبه نظيره الأمريكي، مايك روبيو.
وما بين هذا وذاك، تبقى المؤشرات المتاحة للتقييم قليلة جداً، وتنحصر في الملف النووي ومضيق هرمز والأموال التي سيُفرج عنها وأخيرًا رفع الحصار البحري عن إيران.
في أغلب الأحيان نحن أمام اتفاق تراتبي، خطوة مقابل خطوة، ما يعني أن تعثر تنفيذ أي التزام سيؤدي إلى تراجع أو على أقل تقدير تجميد لعملية المفاوضات. في كل الأحوال، الوضع بالكامل سيكون هشاً وفرص انهياره أكبر من قابلية تنفيذه.
لذلك، فإن الانتقال من "ضبابية النصوص والمفاوضات" إلى "صلابة الحقائق على الأرض" هو الأسلوب الرصين والوحيد القادر على تقديم قراءة صادقة وواقعية. بناء على ذلك، هناك نتائج ثابتة وملموسة تحققت بالفعل في هذه المعادلة:
أولاً، أن فتح مضيق هرمز بيد إيران أصبح حقيقة جيوسياسية. هذه النتيجة الميدانية تعكس تحولا حاسما في موازين القوى. وإجراء الفتح الذي تم برغبة وإشراف إيراني يثبت عمليا أن طهران فرضت واقعا جديدا أصبحت فيه الملاحة بالمضيق ربما تحت قرارها المباشر لحين إشعار آخر.
وهذا ينقلنا مباشرة إلى تهديد ترامب الذي أطلقه ضد سلطنة عمان، والتي كشفت تقارير استخباراتية أنها تتعاون مع السلطات الإيرانية لترتيب وتنسيق عملية المرور في المضيق، ما يشير إلى أن طهران باتت تسبق بخطوة، خاصة أن الرسوم المقررة من جانب طهران لن تفرض باعتبارها إتاوة لكن مقابل خدمات لوجيستية على حسب ما أعلنت هيئة إدارة المضيق التي أنشأتها طهران.

هذا التحقق على الأرض يتجاوز أي نصوص تفاوضية؛ لأنه يدعم نفوذ إيران على واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وهو اعتراف ضمني من القوى الدولية بقدرة إيران على الإغلاق والفتح بناء على مصالحها. 
ثانياً، أن إعلان ترامب وتأكيده على رفع الحصار والقيود يمثل نتيجة مادية ثابتة لا يمكن نفيها، بغض النظر عن تفاصيل الاتفاق "السري". هذا الإجراء يحمل دلالة سياسية واقتصادية كبرى؛ فهو يعكس تراجعا أمريكيا حاداً عن استراتيجية "الضغط الأقصى" التي مارستها الإدارات الأمريكية لسنوات، وهو أيضا اعتراف من واشنطن بعدم جدوى العقوبات في إخضاع النظام الإيراني، بل وتحولا نحو تقديم تنازلات اقتصادية ملموسة لطهران لوقف التصعيد.
ثالثاً، البند المتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية، وهذا الأمر قد حسم بشكل ما أثناء الزيارة التي قام بها وفد إيراني رفيع المستوى ضم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، بالإضافة إلى محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.
فالزيارة تمثل دليلاً على أن الحصار بدأ يتفكك فعليا عبر قنوات مالية؛ فالنقاش تركز على آلية الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. 
الرواية الميدانية المسربة تشير إلى أن طهران تتعامل بحذر شديد وتطالب بالحصول على نصف المبلغ، أي 12 مليار دولار، فور التوقيع على مذكرة التفاهم التي تضم 14 بندا، والنصف الآخر خلال 60 يوما، لتجنب تجارب التعنت الأمريكي السابقة.
رابعاً، تصريحات المسؤولين الأمريكيين لموقع "أكسيوس" عن الحصول على تعهدات شفهية إيرانية بعدم السعي لتطوير سلاح نووي وتجميد التخصيب خلال فترة الـ 60 يوما، تبدو كأداة تسويق سياسي يحتاجها ترامب بشدة.
 من الناحية الاستراتيجية، "التعهدات الشفهية" لا قيمة قانونية أو تقنية لها في عالم الاتفاقيات النووية. لكن إدارة ترامب وإعلام واشنطن يدفعون بهذا الخطاب لتبرير التراجع عن سياسة "الضغط الأقصى" ورفع الحصار والموافقة على مناقشة الإفراج عن مليارات الدولارات، مظهرين الأمر وكأن أمريكا فرضت شروطها النووية سلفا.
في المقابل، تؤكد المعطيات القادمة من طهران أن الملف النووي قد تم ترحيله بالكامل ليكون مادة للتفاوض خلال فترة الـ 60 يوما وليس شرطا مسبقا للتوقيع؛ وبالتالي، فإن النفي الإيراني يأتي لرفض الرواية الأمريكية التي تحاول تصوير طهران وكأنها استسلمت في الملف النووي مقابل رفع الحصار.
هذا التباين الحاد بين البروباغندا السياسية والواقع الميداني، يوضح أن ما يحدث يمثل "اتفاق بلا هوية" وهو أقرب إلى "صفقة تهدئة ميدانية واقتصادية مؤقتة"، جرى غزلها بغطاء من التصريحات المتناقضة.
يمكن أن نتفهم النفي أو التكذيب الإيراني باعتباره جاء من الدولة الأضعف تقنيا في هذا الصراع، لكن في الوقت نفسه يصعب فهم النفي الأمريكي والتذبذب والتضارب في التصريحات الصادرة سواء من البيت الأبيض أو الرئيس ترامب، إلا من خلال القاعدة السياسية التي تم ترسيخها أثناء حرب فيتنام التي تقول "عندما تكذب الدول الكبرى فهي في أزمة".
نحن بالفعل أمام مشهد يتحدث فيه الميدان بصوت أعلى من السياسيين. رفع الحصار وتدفق الحركة عبر المضيق هما الحقيقتان اللتان تعيدان تشكيل واقع الشرق الأوسط الآن، فإيران حصلت على متنفسها الاقتصادي مع تثبيت نفوذها البحري، أما ترامب فقد حصل على التهدئة التي يحتاجها للهروب من المستنقع، قبل أن تتقلص أوراقه وخياراته مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وما بينهما من بنود سرية يظل تفصيلاً ثانويا أمام هذه النتائج الكبرى التي قد تغير الواقع الاستراتيجي للمنطقة بالكامل. لهذا يبدو أن الاتفاق، رغم غموض هويته، صيغ لشراء الوقت أكثر مما صيغ لحسم الصراع.

مقالات وآراء

بين الذباب والمبيدات والأطعمة الفاسدة.. معركة غائبة لحماية غذاء المصريين

بقلم الدكتور أحمد أبو العلا

استشاري أمراض الباطنة

لم تعد قضية سلامة الغذاء مجرد ملف رقابي أو شأن يخص الجهات الصحية وحدها، بل أصبحت قضية أمن قومي صحي تمس حياة ملايين المواطنين يوميًا، خاصة في ظل الانتشار المتزايد للأغذية المعروضة في الشوارع وأمام المدارس والجامعات دون رقابة كافية، وما يصاحب ذلك من ممارسات تهدد صحة المستهلكين وتعرضهم لمخاطر صحية جسيمة قد تبدأ بنزلة معوية عابرة وتنتهي بمضاعفات صحية معقدة تمتد آثارها لسنوات طويلة.

ويكفي أن يتجول أي مواطن أمام عدد من المدارس وقت خروج الطلاب ليرى حجم الظاهرة التي باتت تفرض نفسها على الواقع اليومي؛ عربات وأكشاك تبيع مختلف أنواع المأكولات والمشروبات في ظروف تفتقر إلى أبسط الاشتراطات الصحية، حيث تتعرض الأطعمة للأتربة وعوادم السيارات وأشعة الشمس والحشرات، بينما يقبل عليها الأطفال والشباب باعتبارها وجبات سريعة منخفضة التكلفة دون إدراك لحجم المخاطر الكامنة وراءها.

ولا تتوقف المشكلة عند الباعة الجائلين، بل تمتد إلى بعض المخابز والأفران ومحال بيع الأغذية التي تعرض منتجاتها لساعات طويلة في واجهات مفتوحة أو شبه مفتوحة، وأحيانًا بعد انتهاء مدة صلاحيتها أو دون مراعاة شروط التخزين السليم. كما تنتشر ظاهرة عرض المخبوزات والحلوى والمنتجات الغذائية مكشوفة أمام المارة، لتصبح فريسة سهلة للغبار والميكروبات والحشرات، بما يفقدها قيمتها الغذائية ويحولها إلى مصدر محتمل للأمراض.

والأخطر من ذلك ما نشهده بين الحين والآخر من قيام بعض أصحاب المحال برش المبيدات الحشرية بالقرب من الأغذية أو فوق أماكن عرضها بحجة مكافحة الذباب والحشرات المنتشرة، في ممارسات تفتقر إلى الوعي العلمي والمسؤولية المهنية. فبقايا هذه المواد الكيميائية قد تلتصق بالأطعمة وتنتقل مباشرة إلى جسم الإنسان، مسببة أضرارًا صحية قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تتراكم تدريجيًا داخل الجسم مع تكرار التعرض لها. وتكمن الخطورة الحقيقية في أن تأثيراتها ذات طبيعة تراكمية، حيث قد تسهم مع مرور الوقت في زيادة معدلات الإصابة باضطرابات الجهاز الهضمي وأمراض الكبد والكلى، فضلًا عن تأثيراتها السلبية المحتملة على الجهاز العصبي والجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة الذين يمثلون الفئات الأكثر حساسية لهذه الملوثات. وما يبدو اليوم عرضًا صحيًا بسيطًا قد يتحول غدًا إلى مشكلة مزمنة نتيجة التعرض المستمر لمصادر التلوث الغذائي المختلفة.

ومن خلال عملي كاستشاري لأمراض الباطنة، ألاحظ بصورة مستمرة تزايد أعداد المرضى الذين يعانون من اضطرابات الجهاز الهضمي والتسممات الغذائية والنزلات المعوية الناتجة عن تناول أغذية مجهولة المصدر أو غير مطابقة للاشتراطات الصحية. كما أن استمرار التعرض لهذه الأغذية الملوثة لا يقتصر تأثيره على الأمراض الحادة فقط، بل قد يترك آثارًا تراكمية تمتد إلى العديد من أجهزة الجسم، الأمر الذي يجعل الوقاية والرقابة أكثر أهمية من العلاج نفسه.

ولا يمكن إغفال الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة، فالأغذية غير الآمنة لا تؤدي فقط إلى إصابة الأفراد بالأمراض، وإنما تفرض أعباء إضافية على المنظومة الصحية وترفع تكلفة العلاج والرعاية الطبية، فضلًا عن تأثيرها على الإنتاجية والدراسة وسوق العمل. ومن ثم فإن مكافحة هذه الظاهرة تمثل استثمارًا مباشرًا في صحة المجتمع واقتصاد الدولة في الوقت ذاته.

كما أن المسؤولية لا تقع على الجهات الرقابية وحدها، بل تمتد إلى الأسرة المصرية التي يقع على عاتقها توعية الأبناء بمخاطر شراء الأغذية مجهولة المصدر أو المعروضة في ظروف غير صحية. فالكثير من الأطفال ينجذبون إلى الأطعمة الملونة والمشروبات المصنعة دون معرفة بمكوناتها أو ظروف إعدادها وحفظها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك أكثر حسمًا من الجهات المختصة، من خلال تكثيف الحملات التفتيشية المفاجئة على الأسواق والمخابز ومنافذ بيع الأغذية ومحيط المدارس، مع الإعلان بشفافية عن نتائج تلك الحملات والإجراءات التي يتم اتخاذها بحق المخالفين. كما يجب ألا تقتصر العقوبات على الغرامات المالية التي قد يعتبرها البعض جزءًا من تكلفة المخالفة، بل ينبغي أن تصل إلى الغلق الفوري وسحب التراخيص في الحالات التي يثبت فيها تعمد تعريض صحة المواطنين للخطر.

كما أرى أهمية دراسة منح الأطباء المختصين العاملين في الجهات الرقابية والصحية صفة الضبطية القضائية في نطاق اختصاصاتهم الفنية، بما يمكنهم من تحرير المحاضر واتخاذ الإجراءات القانونية الفورية ضد المخالفات التي تمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين. فوجود طبيب يمتلك الخبرة العلمية والسلطة القانونية في آن واحد من شأنه أن يعزز كفاءة الرقابة ويسرع من ضبط المخالفات قبل تفاقم آثارها.

كذلك فإن إنشاء خط ساخن موحد لتلقي بلاغات المواطنين بشأن الأغذية الفاسدة أو أماكن البيع غير المطابقة للاشتراطات الصحية، مع سرعة التعامل مع هذه البلاغات وإعلان نتائجها للرأي العام، سيمثل خطوة مهمة نحو إشراك المجتمع في حماية صحته وتعزيز ثقافة الرقابة المجتمعية.

غير أن نجاح أي منظومة رقابية لا يعتمد على الأجهزة الحكومية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع المواطن الذي يُعد خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع. فالمواطن الواعي يجب أن يكون له دور إيجابي وفعال من خلال الامتناع عن شراء الأغذية مجهولة المصدر أو المعروضة في ظروف غير صحية، والإبلاغ عن المخالفات التي تهدد الصحة العامة، وعدم التهاون مع أي ممارسات تعرض حياة الآخرين للخطر. فالمشاركة المجتمعية الواعية تمثل إحدى أهم أدوات الرقابة الحديثة، وتسهم في كشف المخالفات والحد من انتشارها، كما ترسل رسالة واضحة إلى كل من يتاجر بصحة المواطنين بأن المجتمع بأكمله أصبح شريكًا في المواجهة.

إن صحة المواطن المصري لا يجب أن تكون محل تجربة أو مغامرة من أجل تحقيق أرباح سريعة. فالبائع الذي يروج غذاءً فاسدًا، وصاحب المخبز الذي يعرض منتجات منتهية الصلاحية، والتاجر الذي يترك الطعام مكشوفًا للحشرات والأتربة، لا يرتكب مجرد مخالفة إدارية، بل يعتدي على حق أصيل من حقوق الإنسان وهو الحق في غذاء آمن وصحي.

إن حماية صحة المصريين ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمواطن. فكما نطالب بتشديد الرقابة وتفعيل القانون، يجب أن نرسخ ثقافة الرفض المجتمعي لكل غذاء غير آمن، لأن التهاون في شراء أو تداول هذه المنتجات يفتح الباب لاستمرار المخالفات ويضاعف من المخاطر الصحية التي قد لا تظهر آثارها اليوم، لكنها تتراكم بصمت لتنعكس على صحة الأفراد والمجتمع في المستقبل.

فالأمم المتقدمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مشروعات وإنجازات، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها من المخاطر اليومية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس أغلى ما يملكه الإنسان: صحته وحياته. وحين يصبح الغذاء الآمن حقًا مكفولًا لكل مواطن، وتتحول الرقابة إلى ثقافة مجتمعية قبل أن تكون إجراءً حكوميًا، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر صحة وأمانًا واستقرارًا.

مقالات وآراء

ترامب ونتنياهو.. تحالف يتآكل تحت نيران الحرب

“شعر رأسي يشتعل”.. عبارة قالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب اتصال له مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أن أعلن الأخير عبر “تروث سوشيال” تراجعه عن توجيه ضربات جديدة لإيران.. ربما هذا التعبير هو الأكثر دلالة حول ما آلت إليه طبيعة العلاقات بين الرجلين، وكأن السحر انقلب على الساحر.
فبينما تدفع إسرائيل باتجاه استئناف الضربات العسكرية، تواصل واشنطن منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، في مشهد يكشف اتساع الفجوة بشأن كيفية المضي قدماً في الحرب التي يجدها الأول فرصة للبقاء في السلطة، بينما يراها الثاني ورطة يجب الخلاص منها بأقل الخسائر.
هذا الخلاف ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل يؤكد شعوراً متنامياً في البيت الأبيض بالخديعة، بينما تراها تل أبيب مخاوف من تهميش دورها في صياغة الترتيبات الأمنية للمنطقة.
ترامب كان يعتبر نتنياهو من أكثر أصدقائه في الشرق الأوسط، وحالة الاستياء الحالية لديه تستند إلى تقديرات إسرائيلية سابقة أشارت إلى أن الحرب (والتي بدأت بضربات واسعة في فبراير 2026) ستؤدي إلى انهيار سريع في القدرات الإستراتيجية لطهران أو إجبارها على الاستسلام الفوري.
لكن النتيجة الميدانية جاءت مغايرة. فتحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة هددت الاستقرار الاقتصادي العالمي ورفعت أسعار الوقود، ما شكّل عبئاً سياسياً داخلياً على إدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
الأزمة لم تكن فقط عكسية على جبهة القتال، لكنها وصلت إلى درجة أضرت بسمعة الولايات المتحدة التي أصبحت وحيدة بعد الفخ الذي سقطت فيه، فلا حلفاء غربيون يرغبون في تقديم يد العون لها، ولا شركاء آسيويون يرون أن من مصلحتهم منح ترامب قبلة حياة هو نفسه قد حرمهم منها بقوانينه وجماركه التي أرهقت اقتصادهم.
عشية الهجوم على إيران، لم يكتفِ نتنياهو بالتواجد في غرفة العمليات مع الرئيس دونالد ترامب، بل قاد النقاش أيضاً، متوقعاً أن هجوماً أمريكياً إسرائيلياً مشتركاً سيؤدي إلى سقوط الجمهورية الإسلامية. إلا أنه، وكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، بعد أسابيع قليلة، وبعد أن تبددت هذه الوعود المتفائلة، تغير الوضع تماماً.
فقد عزلت واشنطن إسرائيل لدرجة أن قادتها باتوا تقريباً خارج دائرة المعلومات المتعلقة بمحادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الاستبعاد، من أعلى الهرم إلى أسفله، يحمل تداعيات سياسية بالغة الأهمية لنتنياهو، الذي يواجه حملة انتخابية صعبة هذا العام، والذي روّج لنفسه أمام الناخبين كشخصٍ يؤثر في ترامب ويتخذ القرارات معه.
التقارير الدبلوماسية الأخيرة (منها ما نقلته وكالة أكسيوس) كشفت عن حدوث مكالمات هاتفية متوترة للغاية بين الرجلين، حيث أظهر نتنياهو غضباً شديداً من بنود التسوية المقترحة. في المقابل، جاء رد ترامب علناً ليعكس رغبة في فرض الإرادة الأمريكية حين صرح بأن نتنياهو “سيفعل ما أريده في النهاية”، مستبعداً أي رغبة في الاستمرار في حرب لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
يشعر الجانب الإسرائيلي بقلق بالغ جراء عدم إشراكه بشكل كامل وتفصيلي في بعض مسارات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. هذا السلوك الدبلوماسي الأمريكي يفسره مراقبون على أنه نوع من “العقاب السياسي” أو الرغبة الأمريكية في تحجيم قدرة نتنياهو على إفشال المحادثات، خاصة في ظل سعي تل أبيب المستمر للدفع نحو استئناف العمليات العسكرية بذريعة أن التراجع الآن يمنح إيران فرصة لإعادة بناء شبكاتها العسكرية والالتفاف على العقوبات.
لكن إلى أين سيؤدي هذا الخلاف؟ السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن ترامب سيمضي قدماً في مسار التسوية الدبلوماسية مدفوعاً برغبته في إنهاء الحروب المفتوحة. ولتفادي صدام كامل مع تل أبيب، قد تقدم واشنطن حزمة ضمانات أمنية معززة لإسرائيل (مثل نشر منظومات دفاع جوي متطورة أو توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية طويلة الأمد)، لإجبار نتنياهو على القبول بالأمر الواقع نظراً لاعتماد إسرائيل الكامل على الدعم اللوجستي والعسكري الأمريكي.
السيناريو الثاني، هو محاولات إسرائيلية للالتفاف الميداني، فإذا شعر نتنياهو أن الاتفاق الوشيك يشكل تهديداً وجودياً لأمن إسرائيل أو لمستقبله السياسي، فقد تلجأ تل أبيب إلى تنفيذ عمليات استخباراتية أو ضربات موضعية نوعية داخل إيران أو ضد حلفائها لإفساد مناخ التفاوض وإجبار طهران على الرد، وبالتالي إعادة جر واشنطن إلى مربع التصعيد العسكري.
هناك بعدٌ آخر للخلاف بين الطرفين، فهو قد يعجل بالانتقال من رؤية “الشرق الأوسط الجديد” القائم على الحسم العسكري المطلق، إلى رؤية قائمة على “إدارة الصراع واحتوائه”.
فواشنطن تبحث عن توازن يحمي تدفق الطاقة والتجارة الدولية عبر تسويات إقليمية تشارك فيها قوى مثل باكستان ودول الخليج، بينما تصر الرؤية الإسرائيلية على أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالإنهاء الكامل للنفوذ الإيراني، وهو ما تراه واشنطن بعد التجربة الميدانية هدفاً غير واقعي عسكرياً ومرتفع التكلفة سياسياً.
المشكلة أنه عندما دخل ترامب الحرب لم يكن متوقعاً أن يضطر إلى التفاوض مع الإيرانيين، بل كان يعتقد أنه يأمر فيطاع، وينتهي الأمر، وهذه المفاوضات التي باتت تمثل له فرصة لتحقيق “انتصار دبلوماسي” وإنهاء الصراع، هي في حقيقة الأمر تمثل صيغة انتصار لنظام طهران. في المقابل ينظر نتنياهو إلى مسودة الاتفاق الحالية ببالغ القلق، ويعتبرها مقدمة لحرب قادمة لا محالة.
الحقيقة أن كل خطوة تخطوها واشنطن تجاه المفاوضات مع طهران لا تقتصر على إعادة رسم التوازنات في المنطقة فقط، بل هي بالتأكيد تقطع وتراً في العلاقات مع تل أبيب وتعيد تعريف حدود التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي تعاظم منذ عودة ترامب للبيت الأبيض.

مقالات وآراء

لماذا لا يجوز أن يتحول الطعام إلى بديل للدواء؟


بقلم دكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا أساسيًا للمعلومات الصحية لدى ملايين البشر، انتشرت أفكار خطيرة تدعو إلى الاستغناء عن الأدوية الحديثة، والاكتفاء بما يسمى “العلاج الطبيعي” أو “الشفاء بالغذاء”. البعض يروّج لأنظمة غذائية باعتبارها بديلاً كاملاً لعلاج السكري، وأمراض القلب، والضغط، وحتى السرطان، وكأن الطب الحديث مجرد مؤامرة كبرى، وكأن الدواء عدو يجب التخلص منه لا وسيلة للنجاة.
هذه الموجة، التي تختلط فيها أنصاف الحقائق بالعاطفة الدينية والشعارات البراقة، دفعت كثيرين إلى اتخاذ قرارات قد تهدد حياتهم، بعدما أقنعهم بعض المؤثرين بأن “الطبيعي يكفي”، وأن الإنسان يمكنه الاستغناء عن العلاج الدوائي إذا تناول الطعام الصحيح أو الأعشاب المناسبة.
لكن الحقيقة التي يغفلها البعض أن الإسلام نفسه لم يدعُ أبدًا إلى ترك التداوي أو رفض الأخذ بالأسباب، بل على العكس تمامًا، رسّخ مبدأ التوازن بين الإيمان بالله والسعي بالعلاج.
وردت في كتب التفسير والآثار قصة رمزية عظيمة عن نبي الله موسى عليه السلام، حين أصابه مرض شديد، فشكا أمره إلى الله متضرعًا، فأوحى الله إليه أن يذهب إلى نبتة معينة في الصحراء ويتداوى بها، ففعل موسى وشُفي بإذن الله. وبعد فترة عاد إليه المرض، فذهب مباشرة إلى نفس النبتة وتناولها، لكنه لم يشفَ هذه المرة بل اشتد عليه الألم، فسأل ربه عن السبب، فأوحى الله إليه بما معناه: “في المرة الأولى جئتني متوكلاً عليّ، فجعلت العشب سببًا للشفاء، أما في المرة الثانية فقد اعتمدت على العشب ونسيت المُسبّب الحقيقي للشفاء”.
هذه القصة تختصر فلسفة الطب كلها؛ فالعلاج سبب، والطبيب سبب، والدواء سبب، أما الشفاء الحقيقي فمن الله وحده. والخلل لا يكون في استخدام الدواء، بل في تحويل أي وسيلة — سواء كانت عشبة أو نظامًا غذائيًا أو حتى دواءً — إلى بديل عن التوكل الصحيح والفهم العلمي السليم.
ولذلك جاء التوجيه النبوي واضحًا وصريحًا في الحديث الشريف الذي رواه أسامة بن شريك رضي الله عنه حين قال:
“جاء أعراب إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داءً واحدًا. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم”.
هذا الحديث العظيم يحسم الجدل الدائر اليوم على مواقع التواصل، فالتداوي ليس ضعفًا في الإيمان، وليس اعتراضًا على القدر، بل هو جزء من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
المشكلة الحقيقية ليست في الطعام الصحي، فالغذاء المتوازن عنصر أساسي في الوقاية وتحسين جودة الحياة، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول إلى “بديل مطلق” للعلاج الطبي، وعندما يُقنع مريض السكري بالتوقف عن الإنسولين، أو مريض القلب بترك أدوية الضغط والسيولة، أو مريض السرطان برفض العلاج الكيميائي لصالح العصائر والأعشاب.
لقد شهد العالم حالات مأساوية انتهت بالوفاة بسبب هذه الأفكار. مرضى دخلوا في غيبوبة سكر بعد إيقاف الإنسولين، وآخرون فقدوا فرصة علاج السرطان في مراحله المبكرة لأنهم صدقوا وعود “الشفاء الطبيعي”، وغيرهم تعرضوا لجلطات وسكتات دماغية بعد التوقف عن الأدوية بحجة الاعتماد على “النظام الغذائي المعجزة”.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض مروجي هذه الأفكار يهاجمون شركات الأدوية بوصفها “مافيا”، بينما يتجاهلون حقيقة مهمة جدًا، وهي أن الطب الحديث قائم على منظومة علمية ورقابية معقدة وصارمة للغاية. فحتى يصل دواء واحد إلى الصيدليات، يمر بسنوات طويلة من الأبحاث والتجارب المعملية، ثم التجارب على الحيوانات، ثم الدراسات السريرية على البشر، تحت رقابة جهات علمية وحكومية مستقلة تراجع النتائج بدقة شديدة قبل السماح بتداوله.
ولهذا السبب تحديدًا، تجد مع كل دواء نشرة طويلة تضم الآثار الجانبية المحتملة، والتحذيرات، وموانع الاستخدام، والتداخلات الدوائية، مع التأكيد الدائم على ضرورة استشارة الطبيب المختص. ولو كانت شركات الأدوية تخفي الحقائق كما يدعي البعض، لما كانت ملزمة قانونيًا وأخلاقيًا بكشف كل هذه التفاصيل للمريض والطبيب.
نعم، كل دواء له آثار جانبية محتملة، وكذلك بعض الأطعمة والأعشاب قد تكون لها مضاعفات خطيرة أيضًا، لكن الفارق أن الطب الحديث يعترف بمضاعفاته ويدرسها ويراقبها علميًا، بينما كثير من وصفات الإنترنت تُقدم بلا أي دليل أو رقابة أو مسؤولية.
كما أن بعض المؤثرين لا يكتفون بنشر معلومات مضللة، بل يمارسون نوعًا من الابتزاز النفسي ضد المرضى، بإقناعهم أن استمرارهم في تناول الدواء يعني أنهم “ضحايا لشركات الأدوية”، أو أن الأطباء يخفون “العلاج الحقيقي”. هذه اللغة التحريضية تدفع بعض المرضى إلى فقدان الثقة في الطب والعلم، رغم أن متوسط الأعمار عالميًا ارتفع بشكل غير مسبوق بفضل التطور الطبي والتطعيمات والعلاجات الحديثة.
ومن المهم أيضًا التفريق بين “الطب التكميلي” و”الطب البديل”. فالطب التكميلي يعني استخدام الغذاء الصحي والرياضة وتحسين نمط الحياة إلى جانب العلاج الطبي، وهو أمر مفيد ومدعوم علميًا. أما الطب البديل، الذي يدعو إلى ترك العلاج المعتمد واستبداله بوصفات غير مثبتة، فهو ما يمثل الخطر الحقيقي على حياة الناس.
الصحة ليست موضة على السوشيال ميديا، وليست تحديًا بين “الطبيعي” و”الدوائي”، بل هي علم ومسؤولية وتوازن. فالإنسان العاقل لا يرفض الغذاء الصحي، لكنه أيضًا لا يحول الطعام إلى معجزة وهمية، ولا يترك دواءً أنقذ ملايين البشر بسبب فيديو viral أو نصيحة غير متخصصة.
يبقى التوكل الحقيقي هو أن تؤمن بالله، وتأخذ بالأسباب، وتبحث عن العلاج من أهله، لا من مشاهير الإنترنت. فالله جعل لكل داء دواء، وجعل العلم رحمة، وجعل حماية النفس مسؤولية لا يجوز التفريط فيها.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر أسرع من الحقيقة، يبقى الوعي الطبي هو خط الدفاع الأول عن حياة الناس. فليس كل من يحمل كاميرا طبيبًا، وليس كل وصفة منتشرة علاجًا، وبين العلم والوهم… هناك أرواح قد تضيع بسبب نصيحة غير مسؤولة.

مقالات وآراء

هرمز منجم الذهب

تصريح مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بأن “السيطرة على مضيق هرمز، تعادل امتلاك قوة ردع بمستوى السلاح النووي، وهي ورقة حيوية لن نتخلى عنها”، ليس مجرد كلام عابر، بقدر ما يكشف قمة الهرم لمطالب طهران في المفاوضات الجارية. فأهميته تتجاوز كونه ممراً للطاقة، ليصبح أصل الردع الحقيقي في الاستراتيجية الإيرانية.
في البداية، يجب رصد بعض الحقائق المهمة. إن إيران تعتبر المشهد الجاري في المنطقة عرضياً وليس دائماً، وأنه مرتبط بما تبقى من مدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، على أقصى تقدير 30 شهراً، منها آخر ستة أشهر يحصل فيها ترامب على لقب “البطة العرجاء” لحين انتخابات الرئاسة المقبلة. وأن الملف النووي ذا قيمة استراتيجية قصوى، يمكن أن يتم تأجيله تحت ضغط اللحظة الراهنة، لكن من المستحيل التنازل عنه، خاصة بعد هذه الحرب التي أثبتت أنه لو كانت تمتلك سلاح الردع، لما كانت واشنطن أو تل أبيب قد قامتا بمهاجمتها.
وهي ترى أن برنامجها النووي يمكن حصاره وخنقه تكنولوجياً إلى حين، لكنها تدرك أنه عندما تصل دولة ما إلى مرحلة المعرفة التقنية الذاتية بتفاصيل البرنامج النووي، يصبح الحصار المادي غير فعال في منع التطوير، بل قد يتحول إلى محفز للابتكار المحلي. ويساهم في ذلك جارتها التي سبق أن أمدتها بكثير من المعرفة النووية من خلال العالم الباكستاني عبد القدير خان. مضافاً إلى ذلك، تعد وعورة التضاريس في إيران عامل حماية طبيعياً وتكتيكياً، فانتشار منشآت التخصيب في مناطق جبلية حصينة أو تحت الأرض يجعل من الرصد الجوي أو الفضائي عملية معقدة، ويقلل من فعالية أي عمل عسكري مباشر أو رقابة دولية صارمة.
ما ينطبق على الملف النووي ينطبق بصورة أكبر على البرنامج الباليستي، وكلاهما يمكن استعادتهما أو حتى العمل عليهما مهما كانت آلية المراقبة. لكن الذي يمثل مكسباً حقيقياً هو السيطرة على مضيق هرمز، الذي تراه فرصة جيوسياسية يصعب تكرارها.
تدرك إيران أن هرمز هو عنق الزجاجة الذي لا يمكن الاستغناء عنه كلياً، فهو يمر عبره يومياً ما يتراوح بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، وهذا يمثل نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، وحوالي 30% من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. كما يمر عبره أكثر من 25% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية سنوياً. وأي إغلاق كلي أو جزئي للمضيق، أو حتى تهديد لأمن الملاحة فيه، قد يؤدي إلى قفزة في أسعار النفط العالمية في ساعات قليلة.
ورغم وجود بدائل مثل خطوط الأنابيب عبر السعودية والإمارات، إلا أنها لا تستوعب سوى جزء ضئيل من التدفقات الضخمة، مما يبقي الذهب محبوساً خلف بوابة هرمز.
في المقابل، هناك العوائق القانونية واتفاقية جامايكا 1982 التي تحظر فرض أي رسوم، فالمادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق جميع السفن في المرور العابر السريع والمتواصل دون قيود أو رسوم. والاستثناء الوحيد يوجد في المادة 42 التي تسمح بفرض رسوم فقط مقابل خدمات محددة تُقدم للسفينة مثل الإرشاد أو الإغاثة.
لكن منذ أن أطلقت طهران تهديدها وفرضت رسوماً بالفعل على بعض السفن، تحول التهديد إلى نموذج ملهم لدول أخرى تمتلك مضائق استراتيجية.
بالفعل، في أبريل الماضي، أثار وزير مالية إندونيسيا بوربايا يودهي ساديوا جدلاً واسعاً عندما اقترح علانية فرض رسوم على السفن المارة بمضيق ملقا، مستشهداً بالنموذج الإيراني في هرمز. واجه هذا المقترح معارضة شرسة من سنغافورة وماليزيا أدت إلى تراجع جاكرتا، لكن الفكرة أصبحت مطروحة على الطاولة كأداة ضغط مستقبلية.

أما الصين فهي تراقب بدقة، فإذا نجحت إيران، فإنها ستستخدم ذلك كسابقة قانونية للمطالبة بفرض قيود أو رسوم مرور في مضيق تايوان أو أجزاء من بحر الصين الجنوبي، معتبرة إياها مياهاً داخلية أو مناطق تخضع لسيادتها الأمنية.
أزمة مضيق هرمز الحقيقية تتلخص في أنه يكاد يكون من المستحيل تأمينه عسكرياً. فمن الناحية التكتيكية، يمثل كابوساً أمنياً لأي قوة نظامية، فالألغام البحرية الذكية غير المكلفة، والزوارق الانتحارية السريعة، والمسيرات التي تنطلق من منصات مخفية وسط التضاريس الوعرة، تجعل من مفهوم تأمين الممر ضرباً من الخيال. فهناك وجود عسكري بحري أمريكي في المنطقة، لكنه يعجز عن منع الهجمات الرمادية التي لا تترك بصمة واضحة أو تتم عبر وكلاء، مما يجعل شركات التأمين تضع قيوداً صارمة أو ترفض تغطية رحلات السفن تماماً، مما يجبر الملاك على التوقف القسري، وهو ما يمثل حصاراً واقعياً دون الحاجة لشن حرب شاملة.
إيران تريد أن تبعث برسالة مباشرة مفادها أن دفع رسوم مرور، أو حتى إتاوة مقننة، قد يصبح أقل كلفة من انهيار سلاسل التوريد أو المخاطرة بفقدان الناقلات. وهذا يفسر لماذا تبدو القوى العظمى مشلولة اليد أمام هذا التهديد.
حركة الملاحة من وإلى المضيق تُقدر بنحو 3000 سفينة شهرياً في الأحوال الطبيعية، وفرض رسوم على جزء من هذه السفن قد يحقق مليارات الدولارات سنوياً، وهو ما سبق أن أغرى ترامب، كرجل أعمال يبحث عن المكاسب والصفقات، فأعلن عن دراسة مشروع مشترك محتمل مع إيران لفرض رسوم عبور منظمة في المضيق.
هرمز لديه كل المقومات ليصبح منجم ذهب ثابتاً لإيران والقوى المسيطرة عليه، بشرط ألا تبالغ هذه القوى في الضغط لدرجة تدفع العالم إلى ابتكار بدائل جذرية تجعل من المضيق طريقاً مهجوراً. ما يحدث يشير إلى أننا بصدد ميلاد نظام مالي بحري جديد يعتمد على الدفع مقابل الأمان.. ويبقى السؤال: بعد ما سبق، هل يمكن أن يصبح “هرمز” كارت “الجوكر” الذي تحصل من خلاله طهران على صفقة فورية تتعلق برفع شامل للعقوبات الدولية واستعادة أموالها المجمدة من البنوك الأمريكية، مقابل ضمان حرية الملاحة من جديد؟

مقالات وآراء

هرمز منجم الذهب

تصريح مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بأن “السيطرة على مضيق هرمز، تعادل امتلاك قوة ردع بمستوى السلاح النووي، وهي ورقة حيوية لن نتخلى عنها”، ليس مجرد كلام عابر، بقدر ما يكشف قمة الهرم لمطالب طهران في المفاوضات الجارية. فأهميته تتجاوز كونه ممراً للطاقة، ليصبح أصل الردع الحقيقي في الاستراتيجية الإيرانية.
في البداية، يجب رصد بعض الحقائق المهمة. إن إيران تعتبر المشهد الجاري في المنطقة عرضياً وليس دائماً، وأنه مرتبط بما تبقى من مدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، على أقصى تقدير 30 شهراً، منها آخر ستة أشهر يحصل فيها ترامب على لقب “البطة العرجاء” لحين انتخابات الرئاسة المقبلة. وأن الملف النووي ذا قيمة استراتيجية قصوى، يمكن أن يتم تأجيله تحت ضغط اللحظة الراهنة، لكن من المستحيل التنازل عنه، خاصة بعد هذه الحرب التي أثبتت أنه لو كانت تمتلك سلاح الردع، لما كانت واشنطن أو تل أبيب قد قامتا بمهاجمتها.
وهي ترى أن برنامجها النووي يمكن حصاره وخنقه تكنولوجياً إلى حين، لكنها تدرك أنه عندما تصل دولة ما إلى مرحلة المعرفة التقنية الذاتية بتفاصيل البرنامج النووي، يصبح الحصار المادي غير فعال في منع التطوير، بل قد يتحول إلى محفز للابتكار المحلي. ويساهم في ذلك جارتها التي سبق أن أمدتها بكثير من المعرفة النووية من خلال العالم الباكستاني عبد القدير خان. مضافاً إلى ذلك، تعد وعورة التضاريس في إيران عامل حماية طبيعياً وتكتيكياً، فانتشار منشآت التخصيب في مناطق جبلية حصينة أو تحت الأرض يجعل من الرصد الجوي أو الفضائي عملية معقدة، ويقلل من فعالية أي عمل عسكري مباشر أو رقابة دولية صارمة.
ما ينطبق على الملف النووي ينطبق بصورة أكبر على البرنامج الباليستي، وكلاهما يمكن استعادتهما أو حتى العمل عليهما مهما كانت آلية المراقبة. لكن الذي يمثل مكسباً حقيقياً هو السيطرة على مضيق هرمز، الذي تراه فرصة جيوسياسية يصعب تكرارها.
تدرك إيران أن هرمز هو عنق الزجاجة الذي لا يمكن الاستغناء عنه كلياً، فهو يمر عبره يومياً ما يتراوح بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية، وهذا يمثل نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، وحوالي 30% من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم. كما يمر عبره أكثر من 25% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية سنوياً. وأي إغلاق كلي أو جزئي للمضيق، أو حتى تهديد لأمن الملاحة فيه، قد يؤدي إلى قفزة في أسعار النفط العالمية في ساعات قليلة.
ورغم وجود بدائل مثل خطوط الأنابيب عبر السعودية والإمارات، إلا أنها لا تستوعب سوى جزء ضئيل من التدفقات الضخمة، مما يبقي الذهب محبوساً خلف بوابة هرمز.
في المقابل، هناك العوائق القانونية واتفاقية جامايكا 1982 التي تحظر فرض أي رسوم، فالمادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق جميع السفن في المرور العابر السريع والمتواصل دون قيود أو رسوم. والاستثناء الوحيد يوجد في المادة 42 التي تسمح بفرض رسوم فقط مقابل خدمات محددة تُقدم للسفينة مثل الإرشاد أو الإغاثة.
لكن منذ أن أطلقت طهران تهديدها وفرضت رسوماً بالفعل على بعض السفن، تحول التهديد إلى نموذج ملهم لدول أخرى تمتلك مضائق استراتيجية.
بالفعل، في أبريل الماضي، أثار وزير مالية إندونيسيا بوربايا يودهي ساديوا جدلاً واسعاً عندما اقترح علانية فرض رسوم على السفن المارة بمضيق ملقا، مستشهداً بالنموذج الإيراني في هرمز. واجه هذا المقترح معارضة شرسة من سنغافورة وماليزيا أدت إلى تراجع جاكرتا، لكن الفكرة أصبحت مطروحة على الطاولة كأداة ضغط مستقبلية.

أما الصين فهي تراقب بدقة، فإذا نجحت إيران، فإنها ستستخدم ذلك كسابقة قانونية للمطالبة بفرض قيود أو رسوم مرور في مضيق تايوان أو أجزاء من بحر الصين الجنوبي، معتبرة إياها مياهاً داخلية أو مناطق تخضع لسيادتها الأمنية.
أزمة مضيق هرمز الحقيقية تتلخص في أنه يكاد يكون من المستحيل تأمينه عسكرياً. فمن الناحية التكتيكية، يمثل كابوساً أمنياً لأي قوة نظامية، فالألغام البحرية الذكية غير المكلفة، والزوارق الانتحارية السريعة، والمسيرات التي تنطلق من منصات مخفية وسط التضاريس الوعرة، تجعل من مفهوم تأمين الممر ضرباً من الخيال. فهناك وجود عسكري بحري أمريكي في المنطقة، لكنه يعجز عن منع الهجمات الرمادية التي لا تترك بصمة واضحة أو تتم عبر وكلاء، مما يجعل شركات التأمين تضع قيوداً صارمة أو ترفض تغطية رحلات السفن تماماً، مما يجبر الملاك على التوقف القسري، وهو ما يمثل حصاراً واقعياً دون الحاجة لشن حرب شاملة.
إيران تريد أن تبعث برسالة مباشرة مفادها أن دفع رسوم مرور، أو حتى إتاوة مقننة، قد يصبح أقل كلفة من انهيار سلاسل التوريد أو المخاطرة بفقدان الناقلات. وهذا يفسر لماذا تبدو القوى العظمى مشلولة اليد أمام هذا التهديد.
حركة الملاحة من وإلى المضيق تُقدر بنحو 3000 سفينة شهرياً في الأحوال الطبيعية، وفرض رسوم على جزء من هذه السفن قد يحقق مليارات الدولارات سنوياً، وهو ما سبق أن أغرى ترامب، كرجل أعمال يبحث عن المكاسب والصفقات، فأعلن عن دراسة مشروع مشترك محتمل مع إيران لفرض رسوم عبور منظمة في المضيق.
هرمز لديه كل المقومات ليصبح منجم ذهب ثابتاً لإيران والقوى المسيطرة عليه، بشرط ألا تبالغ هذه القوى في الضغط لدرجة تدفع العالم إلى ابتكار بدائل جذرية تجعل من المضيق طريقاً مهجوراً. ما يحدث يشير إلى أننا بصدد ميلاد نظام مالي بحري جديد يعتمد على الدفع مقابل الأمان.. ويبقى السؤال: بعد ما سبق، هل يمكن أن يصبح “هرمز” كارت “الجوكر” الذي تحصل من خلاله طهران على صفقة فورية تتعلق برفع شامل للعقوبات الدولية واستعادة أموالها المجمدة من البنوك الأمريكية، مقابل ضمان حرية الملاحة من جديد؟