سايس السيارات في الشوارع بين التنظيم الغائب واستنزاف المواطن
بقلم الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة
في نهاية يوم طويل، يعود المواطن إلى منزله باحثًا عن لحظة هدوء بعد ساعات العمل والزحام. يقترب بسيارته من الشارع الذي يسكن فيه، ويتطلع إلى مكان يركن فيه سيارته بأمان أمام بيته أو في محيطه السكني. لكن هذه اللحظة البسيطة كثيرًا ما تتحول إلى موقف يثير الضيق، عندما يجد سايس السيارات في انتظاره يطالبه بمبلغ مالي مقابل ركن السيارة في شارع عام.
هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية في كثير من الشوارع، وخصوصًا في مناطق وسط البلد التي تعاني من كثافة مرورية وضغط كبير على أماكن الانتظار. وما يزيد من استياء المواطنين أن المبالغ المطلوبة لا تكون في كثير من الأحيان معلنة بوضوح، ولا يصاحبها إيصال رسمي يحدد قيمة الرسوم أو مدة الانتظار.
ومن زاوية أخرى، يشعر كثير من أصحاب السيارات بتناقض واضح؛ فهناك رسوم سنوية وإجراءات رسمية مرتبطة بترخيص المركبة واستخدامها، وقد ترتبط بتنظيم الانتظار وفق القواعد المنظمة لذلك، ثم يفاجأ المواطن بمطالبات مالية إضافية من بعض السياس في الشارع نفسه. وهذا يثير تساؤلًا مشروعًا لدى المواطن: إذا كان يدفع رسومًا أو التزامات رسمية سنوية مرتبطة بسيارته، فلماذا يظل عرضة لتحصيل مبالغ أخرى بصورة يومية أو عشوائية؟
لا أحد ينكر أن تنظيم انتظار السيارات في الشوارع المزدحمة أمر ضروري للحفاظ على السيولة المرورية ومنع الفوضى. كما أن وجود منظومة رسمية لتنظيم الانتظار يمكن أن يحقق للدولة إيرادات قانونية ويساعد في تحسين إدارة الشوارع. لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يغيب التطبيق الصارم للضوابط، أو عندما يمارس بعض الأفراد نشاط تنظيم الانتظار دون التزام واضح بالتعريفة الرسمية أو بالإجراءات القانونية.
وفي مناطق وسط البلد، حيث يصعب العثور على مكان لركن السيارة، تتحول حاجة المواطن إلى الانتظار إلى فرصة للبعض لفرض رسوم مرتفعة تختلف من شارع إلى آخر ومن وقت إلى آخر. وقد يجد المواطن نفسه مضطرًا للدفع تجنبًا للمشكلات أو خوفًا من تعرض سيارته لأي مضايقات، رغم أن الشارع في الأصل مرفق عام يجب أن يخضع لتنظيم واضح وعادل.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي. فالشعور بالاضطرار إلى الدفع مقابل استخدام الشارع العام يولد إحساسًا بالظلم وفقدان الثقة في قدرة الجهات المختصة على حماية حقوق المواطنين. كما أن المشاحنات المتكررة بين بعض أصحاب السيارات والسياس تخلق حالة من التوتر في الشوارع السكنية، وتؤثر على شعور السكان بالأمان والراحة في محيط مساكنهم.
وهنا يبرز سؤال يطرحه المواطنون يوميًا: أين دور المحافظة؟ وأين الجهات الرقابية؟ فالمحافظات هي الجهة المسؤولة عن تنظيم الشوارع وإدارة المرافق العامة داخل نطاقها، كما أن الأجهزة التنفيذية والرقابية مطالبة بالتأكد من التزام منظومة انتظار السيارات بالقانون والضوابط المحددة. إن وجود سايس أمام العقارات السكنية أو في الشوارع العامة يجب أن يكون خاضعًا لترخيص واضح، مع إعلان التعريفة الرسمية في مكان ظاهر، وإلزام القائم بالتحصيل بإصدار إيصال رسمي يوضح قيمة الرسوم ومدة الانتظار.
كما ينبغي على الجهات الرقابية القيام بحملات دورية لمراجعة التراخيص وضبط أي مخالفات تتعلق بتحصيل رسوم غير قانونية، والتأكد من أن أماكن الانتظار تدار وفق القواعد التي تحقق مصلحة المواطن والدولة معًا. فاستمرار التحصيل العشوائي دون رقابة يفتح الباب أمام الاستغلال ويزيد من معاناة المواطنين، ويجعل الشارع العام وكأنه خاضع لإدارة غير رسمية تفرض شروطها بعيدًا عن إطار القانون.
ومن واقع ما نراه يوميًا، فإن الحل لا يكمن في إلغاء تنظيم انتظار السيارات، بل في تنظيمه بصورة حضارية وواضحة تحمي المواطن من الاستغلال، وتضمن أن تكون الرسوم المقررة معلنة ومحددة وخاضعة للرقابة. كما أن توفير أماكن انتظار منظمة في المناطق المزدحمة مثل وسط البلد يمكن أن يقلل من الاعتماد على الانتظار العشوائي في الشوارع، ويخفف من الاحتكاكات اليومية بين المواطنين والقائمين على تنظيم الانتظار.
إن قضية سايس السيارات ليست مجرد خلاف على بضعة جنيهات، بل هي قضية ترتبط بحق المواطن في استخدام الشارع العام، وبمدى قدرة الدولة على تنظيم المرافق العامة بشكل عادل وشفاف. وعندما يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن المحافظة والجهات الرقابية تقوم بدورها في المتابعة والمحاسبة، ستتحول منظومة انتظار السيارات من مصدر شكوى يومية إلى خدمة عامة منظمة تحافظ على النظام وتراعي حقوق المواطنين.
يبقى الأمل أن تتحول الشوارع المصرية إلى نموذج حضاري في إدارة المرافق العامة، بحيث يعرف المواطن حقوقه وواجباته بوضوح، وتكون أي رسوم مرتبطة بالانتظار معلنة ورسميّة وخاضعة للرقابة، فلا يشعر المواطن بأنه يدفع أكثر من مرة مقابل حقه في استخدام الطريق العام.