لقاح HPV لا يحمي النساء فقط.. دراسة تكشف فائدته للرجال

لقاح HPV لا يحمي النساء فقط.. دراسة تكشف فائدته للرجال

لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) لم يعد مرتبطًا فقط بالوقاية من سرطان عنق الرحم، إذ تشير أدلة جديدة إلى احتمال استفادة الرجال منه أيضًا، خصوصًا في مواجهة بعض سرطانات الرأس والرقبة المرتبطة بالفيروس.

 

وبحسب تقرير نشره موقع ScienceAlert، أظهرت دراسة رصدية حديثة في الولايات المتحدة ارتباطًا بين تلقي لقاح فيروس الورم الحليمي البشري وانخفاض خطر الإصابة بسرطانات الرأس والرقبة بنحو 70%، ما يعزز الأدلة المتزايدة على الفوائد الوقائية للقاح لدى الجنسين.

 

لقاح صُمم للوقاية من السرطان

يُعد لقاح فيروس الورم الحليمي البشري أول لقاح طُوّر خصيصًا للوقاية من السرطان من خلال استهداف فيروس يمكن أن يؤدي إلى الإصابة به.

وعندما حصل اللقاح على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2006، كان استخدامه يستهدف في الأساس الفتيات والنساء، بهدف الحد من الإصابة بالسلالات عالية الخطورة من فيروس HPV التي يمكن أن تؤدي إلى سرطان عنق الرحم.

وبعد نحو عقدين من بدء استخدام اللقاح، انخفضت معدلات الإصابة والوفيات المرتبطة بسرطان عنق الرحم بصورة ملحوظة، ووصل الانخفاض في بعض الدول ذات معدلات التطعيم المرتفعة إلى نحو 90%.

لكن سرطان عنق الرحم ليس النوع الوحيد المرتبط بفيروس الورم الحليمي البشري.

 

الرجال أكثر عرضة لسرطانات مرتبطة بالفيروس

تشير البيانات الصحية في الولايات المتحدة إلى أن فيروس HPV يرتبط سنويًا بنحو 11,100 حالة من سرطان عنق الرحم، لكنه يرتبط أيضًا بنحو 16 ألف حالة من سرطان البلعوم الفموي.

واللافت أن الرجال يمثلون نحو 85% من حالات سرطان البلعوم الفموي المرتبطة بالفيروس، وهو ما يجعل الوقاية من عدوى HPV لدى الذكور ذات أهمية خاصة.

ويشمل سرطان الرأس والرقبة المرتبط بالفيروس بصورة خاصة سرطان الخلايا الحرشفية في البلعوم الفموي، الذي يمكن أن يصيب مناطق مثل الحلق واللوزتين.

 

1.4 مليون شخص يكشفون مفاجأة اللقاح

في التحليل السكاني الحديث، فحص باحثون من الصين بيانات صحية لنحو 1.4 مليون شخص في الولايات المتحدة، تراوحت أعمارهم بين 9 و45 عامًا.

ومن بين أكثر من 700 ألف شخص تلقوا لقاح فيروس الورم الحليمي البشري، سجل الباحثون 40 حالة فقط من سرطانات الرأس والرقبة.

في المقابل، ظهرت 130 حالة بين مجموعة مماثلة من حيث العمر ولم تتلق اللقاح.

وبحسب الباحثين، يعادل ذلك انخفاضًا يقارب 70% في خطر الإصابة بهذه السرطانات بين الأشخاص الذين تلقوا اللقاح.

وخلص مؤلفو الدراسة إلى أن التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري ارتبط بانخفاض كبير في خطر الإصابة بسرطانات الرأس والرقبة، وكان الارتباط أوضح بالنسبة لسرطان الخلايا الحرشفية في البلعوم الفموي ولدى الأشخاص الأصغر سنًا.

 

هل ثبت أن اللقاح يمنع سرطان الرأس والرقبة؟

رغم قوة النتائج، يؤكد التقرير أن الدراسة لا تثبت بصورة مباشرة أن لقاح HPV يمنع سرطانات الرأس والرقبة، لأنها دراسة رصدية تبحث في الارتباطات ولا تثبت علاقة سببية.

لكن هناك أساس بيولوجي يدعم هذا الاحتمال، إذ يلعب فيروس الورم الحليمي البشري دورًا مهمًا في بعض سرطانات البلعوم الفموي، كما أثبت اللقاح بالفعل فعاليته في الحد من الأمراض السرطانية المرتبطة بالفيروس، وعلى رأسها سرطان عنق الرحم.

وتشير البيانات الجديدة إلى أن الحماية قد تستمر لمدة عقد على الأقل بعد التطعيم، إلا أن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى دراسات أطول وأوسع للتأكد من استمرار هذه العلاقة.

 

كيف يمكن أن يتحول HPV إلى سرطان؟

فيروس الورم الحليمي البشري شديد العدوى، ويتعرض معظم الأشخاص له في مرحلة ما من حياتهم دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى عواقب صحية خطيرة.

لكن بعض سلالات الفيروس عالية الخطورة يمكن أن تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، وتصيب مناطق مختلفة من الجسم، من بينها عنق الرحم والمهبل والفرج والقضيب، كما يمكن أن تصل إلى الحلق واللوزتين.

وفي نسبة صغيرة من الحالات، قد تستمر العدوى داخل الخلايا لسنوات، وتؤدي تدريجيًا إلى تغيرات في نمو الخلايا، وقد تتحول بعض الخلايا المصابة بعد سنوات طويلة إلى خلايا سرطانية.

 

لماذا يمثل التطعيم أهمية أكبر للرجال؟

على عكس سرطان عنق الرحم، لا يمتلك الأطباء حتى الآن اختبارًا مماثلًا لمسحة عنق الرحم للكشف المبكر عن التغيرات السابقة للسرطان في الرأس والرقبة.

ولهذا تكتسب الوقاية من العدوى أهمية خاصة، خصوصًا أن نسبة كبيرة من سرطانات البلعوم الفموي المرتبطة بفيروس HPV تحدث لدى الرجال.

وفي الولايات المتحدة، توصي الجهات الصحية حاليًا بتطعيم الشباب ضد فيروس الورم الحليمي البشري حتى سن 26 عامًا للمساعدة في الوقاية من السرطانات المرتبطة بالفيروس.

وفي عام 2024، تلقى 77% من المراهقين الذكور و79% من المراهقات جرعة واحدة على الأقل من لقاح HPV في الولايات المتحدة.

 

ما زال الوعي باللقاح منخفضًا

رغم توسع استخدام اللقاح، لا يزال كثير من الأشخاص غير مدركين لقدرته على الوقاية من السرطان.

وأظهرت دراسة استقصائية أجريت عام 2025 أن أكثر من ثلث البالغين في الولايات المتحدة لم يكونوا على دراية بفيروس الورم الحليمي البشري، بينما لم يكن أكثر من 70% منهم يعرفون أن الفيروس يمكن أن يسبب سرطانات الفم.

وتشير هذه الفجوة في المعرفة إلى أهمية توعية الجمهور بأن لقاح HPV لا يتعلق فقط بالوقاية من سرطان عنق الرحم، وإنما قد يساعد أيضًا في الحد من سرطانات أخرى مرتبطة بالفيروس.

 

هل ينبغي تطعيم الذكور؟

وسعت دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا برامج التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري لتشمل الذكور والإناث.

وعلى المستوى العالمي، لا تزال منظمة الصحة العالمية تركز بصورة أساسية على الوصول إلى تطعيم 90% من الفتيات بالكامل ضد HPV قبل بلوغ سن 15 عامًا، بينما تصنف الأولاد كفئة مستهدفة ثانويًا، حيثما كان التطعيم متاحًا وميسور التكلفة.

وتدعو جهات مناصرة دولية إلى توسيع نطاق التطعيم ليشمل الجنسين بصورة أكثر اتساقًا، باعتبار أن الذكور والإناث معرضون للإصابة بالسلالات عالية الخطورة من الفيروس وما قد ينتج عنها من سرطانات.

وتؤكد النتائج الحديثة أن فيروس الورم الحليمي البشري لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مرتبطًا بسرطان عنق الرحم فقط، وأن التطعيم قد يمثل وسيلة مهمة للوقاية من مجموعة أوسع من السرطانات المرتبطة بالفيروس.