حين أصبحت العربية تتحدث بلغة أجنبية!


بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة

لكل أمة راية تلتف حولها، وتاريخ تفخر به، ولغة تحمل ذاكرتها من جيل إلى جيل. فإذا ضعفت العلاقة بين الأمة ولغتها، لم تكن المشكلة في الحروف والكلمات، وإنما في الهوية ذاتها. فاللغة ليست وسيلة للكلام فقط، بل هي وعاء الفكر، وجسر الثقافة، ومرآة الحضارة.

ولذلك كان طبيعيًا أن تحافظ الأمم المتقدمة على لغاتها بكل اعتزاز، وهي في الوقت نفسه تتقن لغات العالم. أما نحن، فقد أصبحنا أحيانًا نتعامل مع اللغة العربية وكأنها ضيف في بيتها، نلجأ إليها في المناسبات والخطب الرسمية، ثم نترك الحياة اليومية تمضي بلغة أخرى، حتى صرنا نندهش إذا وجدنا اسم متجر مكتوبًا بالعربية، أو إعلانًا يخلو من الكلمات الأجنبية، أو شابًا يتحدث الفصحى بطلاقة دون أن يشعر بالحاجة إلى الاعتذار عنها.

ولا أحد يختلف على أن تعلم اللغات الأجنبية ضرورة يفرضها العصر، بل إن العلوم الحديثة، ومنها الطب والهندسة والتكنولوجيا، تعتمد إلى حد كبير على المراجع والمصطلحات الأجنبية. لكن المشكلة لا تكمن في تعلم لغة جديدة، وإنما في أن يتحول هذا التعلم إلى تهميش للغتنا الأم، وكأن الاعتزاز بالعربية يتعارض مع الانفتاح على العالم، بينما الحقيقة أن الأمم القوية تجمع بين الأمرين معًا.

ولو عدنا إلى صفحات تاريخنا القريب، لوجدنا نماذج تؤكد أن عظمة اللغة لا يصنعها عدد الشهادات، وإنما يصنعها عشق المعرفة.

فالأديب الكبير عباس محمود العقاد لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، لكنه صنع لنفسه مكانة لا تزال الجامعات تدرسها حتى اليوم. لم تمنعه قلة التعليم النظامي من أن يصبح موسوعة تمشي على قدمين، وأن يترك عشرات الكتب في الأدب والفكر والفلسفة والنقد، حتى غدا واحدًا من أعمدة الثقافة العربية الحديثة.

وكذلك مصطفى صادق الرافعي، الذي لم ينل شهادات أكاديمية عليا، لكنه امتلك من ناصية اللغة ما جعله أحد أعظم فرسان البيان العربي. كانت كلماته تنبض بجمال العربية وقوتها، حتى لُقب بمعجزة البيان، ولا تزال مؤلفاته شاهدًا على أن اللغة العربية بحر لا ينضب لمن أحبها وأخلص لها.

ثم يأتي عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي لم يكتفِ بالدفاع عن اللغة، بل جعلها جسرًا تعبر عليه النهضة الحديثة. آمن بأن التعليم حق للجميع، وأن القراءة هي الطريق الحقيقي لتحرير العقول، فقدم التراث العربي للأجيال الجديدة بروح نقدية مستنيرة، وجعل من العربية لغة قادرة على الحوار مع العصر دون أن تفقد أصالتها.

أما الإمام الشيخ محمد عبده، فقد أدرك أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الفكر، وأن اللغة هي أداته الأولى. فجاءت كتاباته وخطبه واضحة، قوية، بعيدة عن التعقيد، لتعيد إلى العربية بساطتها وبلاغتها في آن واحد، مؤكدًا أن تجديد الأمة لا يكون بالقطيعة مع لغتها، وإنما بإحيائها وربطها بحياة الناس.

هذه القامات الكبيرة لم تكن تدافع عن اللغة بالشعارات، وإنما بالإنتاج والإبداع. كانوا يقرأون، ويكتبون، ويختلفون، ويتحاورون، ويتركون كتبًا أصبحت جزءًا من وجدان الأمة. أما نحن، فقد أصبحنا نختلف أحيانًا على الطريقة الصحيحة لكتابة كلمة عربية، بينما نقضي ساعات طويلة في كتابة كلمات أجنبية، أو كلمات عربية بحروف لاتينية، وكأن الحروف العربية أصبحت عبئًا على أصابعنا.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف فصلًا جديدًا إلى الأزمة. جمل تبدأ بالعربية وتنتهي بالإنجليزية، ورسائل قصيرة تمتلئ بالاختصارات، وكلمات فقدت هجاءها الصحيح، حتى أصبحت الكتابة السليمة استثناء، بينما الأصل أن تكون هي القاعدة.

والمؤسف أن بعض الأسر أصبحت تعتبر إتقان الأبناء للغة الأجنبية إنجازًا يستحق الاحتفال، بينما تنظر إلى العربية باعتبارها مادة دراسية تنتهي بانتهاء الامتحان. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فاللغة لا تُحفظ بالحفظ وحده، وإنما تعيش بالقراءة، وبالكتاب، وبالمسرح، وبالصحافة، وبالحوار، وبالقدوة.

في الماضي كانت المكتبة جزءًا من كل بيت، وكانت الصحف والكتب رفيقًا يوميًا للأسرة. أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول يحتل المكان كله، وأصبحت القراءة الطويلة عملة نادرة، ومعها تراجعت الثروة اللغوية، وضاقت مساحة التعبير، وضعفت القدرة على الحوار.

واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت اللغة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من المحتوى الذي نكتبه وننتجه. وكلما كان المحتوى العربي أكثر ثراءً وجودة، أصبحت هذه التقنيات أكثر قدرة على خدمة الإنسان العربي بلغته. أما إذا اكتفينا بالاستهلاك، وأهملنا الإنتاج، فسنبقى مستخدمين للتكنولوجيا، لا شركاء في صناعتها.

إن الأزمة ليست في اللغة العربية، فهي اللغة التي احتضنت القرآن الكريم، وحملت تراث أمة امتد أثرها إلى العالم كله، واستوعبت علوم الطب والفلك والهندسة والفلسفة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية. الأزمة الحقيقية تكمن في نظرتنا إليها، وفي اعتقاد البعض أن التقدم يبدأ بالتخلي عنها، بينما تؤكد تجارب الأمم أن التقدم الحقيقي يبدأ بالاعتزاز بالهوية، واللغة هي أول أركان هذه الهوية.

ولو عاد العقاد اليوم، لربما تعجب من أمة تمتلك آلاف المدارس والجامعات، لكنها تتردد في كتابة إعلان أو لافتة بلغتها الأم. ولو عاد الرافعي، لربما سأل: كيف ضاقت العربية عن التعبير، وهي التي اتسعت لكتاب الله، وللشعر، وللعلم، وللفكر؟ ولو عاد طه حسين والإمام محمد عبده، لوجدا أن معركة النهضة ما زالت مستمرة، لكنها لم تعد بين الجهل والعلم فقط، بل أصبحت أيضًا بين الاعتزاز باللغة والاغتراب عنها.

فاللغة العربية لا تطلب منا أن نصفق لها في الاحتفالات، ولا أن نتغنى بجمالها في المناسبات، وإنما تطلب شيئًا أبسط من ذلك بكثير: أن نتحدث بها باحترام، وأن نكتبها بعناية، وأن نقرأ بها أكثر مما نكتب عنها، وأن نورثها لأبنائنا كما ورثناها عن آبائنا.

قد نفقد كلمة من لغتنا فنعوضها، لكننا إذا فقدنا احترام لغتنا، فقد نفقد جزءًا من هويتنا.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل أزمة العربية في اللغة نفسها؟ أم فينا نحن؟ والإجابة تبدو واضحة؛ فاللغة ما زالت قوية، ثرية، نابضة بالحياة، لكنها تنتظر من يعيد إليها مكانها الطبيعي في البيت، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الإعلام، وفي الشارع. فعندما نستعيد احترامنا للغتنا، سنكون قد خطونا أول خطوة حقيقية نحو استعادة احترامنا لأنفسنا.