ارتفاع تشخيص التوحد عالميا.. هل يعكس انتشارا حقيقيا أم تطورا في معايير الكشف؟
شهدت معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد ارتفاعا ملحوظا خلال العقود الأخيرة، ما أثار تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الزيادة، وما إذا كانت تعكس ارتفاعا فعليا في انتشار الاضطراب أم ترتبط بتطور المعايير التشخيصية وزيادة الوعي المجتمعي.
وبينما أصبح اكتشاف الحالات أكثر شمولًا، يؤكد المختصون أهمية التمييز بين تحسن القدرة على التشخيص وبين التغير الحقيقي في معدلات حدوث الاضطراب، مع ضمان حصول الأطفال على التقييم المناسب والدعم المبكر.
اتساع معايير التشخيص وزيادة الوعي
يرتبط جانب من الارتفاع في معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد بالتغيرات التي شهدتها المعايير الطبية وزيادة الوعي لدى الأسر والمعلمين والأطباء.
وتستند المعايير الحالية إلى الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، المعروف اختصارا باسم «DSM-5»، الذي يتعامل مع التوحد باعتباره طيفا يضم درجات متنوعة من الاحتياجات والخصائص النمائية.
وأتاح هذا التوجه التعرف على حالات كانت قد لا تكتشف في السابق، بما فيها الأطفال الذين يمتلكون قدرات لغوية جيدة أو تظهر لديهم سمات أقل وضوحا، كما أسهم تحسن خدمات التقييم وزيادة الاهتمام بالصحة النفسية والنمائية في رفع معدلات اكتشاف الحالات.
هل تعني زيادة التشخيص ارتفاعا فعليًا في الانتشار؟
لا تعني زيادة عدد التشخيصات بالضرورة أن اضطراب التوحد أصبح أكثر انتشارا بالمعدل نفسه، إذ تتداخل عدة عوامل في تفسير هذه الظاهرة، من بينها تغير المعايير الطبية، وتحسن فرص الوصول إلى خدمات التشخيص، وتراجع الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النمائية.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال وجود تغيرات فعلية في معدلات الانتشار دون دراسات سكانية قادرة على الفصل بين أثر هذه العوامل.
كما أن مصطلح «التنوع العصبي» الذي يتردد في بعض البيئات التعليمية والاجتماعية يشير إلى اختلافات في طريقة التفكير والتواصل والسلوك، لكنه لا يمثل تشخيصًا طبيا بحد ذاته لذلك، يتطلب فهم الاتجاهات الحالية تحليل البيانات وفق معايير موحدة وعلى مدى زمني طويل.
الشاشات والأعراض التي تستدعي التقييم
تؤكد المختصة في طب الأطفال، الدكتورة مديحة كمال، أن استخدام الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي لا يعد سببا مثبتا للإصابة بالتوحد، رغم أن الإفراط في استخدامها قد يؤثر في تطور اللغة والتفاعل الاجتماعي لدى الأطفال، بحسب موقع " autismcenter ".
وتشمل أبرز سمات اضطراب طيف التوحد صعوبات التواصل والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب السلوكيات المتكررة والاهتمامات المحدودة أو شديدة التركيز، وقد تظهر أيضًا حساسيات غير معتادة تجاه الأصوات أو اللمس أو المؤثرات البصرية.
وتختلف هذه السمات في طبيعتها وشدتها من طفل إلى آخر، ولا يكفي ظهور علامة واحدة لتشخيص الاضطراب.
لذا، ينبغي أن يستند التقييم إلى تاريخ نمو الطفل وملاحظات الأسرة والمتخصصين، بدلًا من الاعتماد على قوائم متداولة عبر الإنترنت أو إصدار أحكام متسرعة.
التدخل المبكر ودعم الأطفال دون تأخير
يشدد المختصون على أهمية التدخل المبكر عند ملاحظة تأخر في النطق أو اختلافات واضحة في التواصل والتفاعل، دون انتظار اكتمال إجراءات التشخيص قبل البدء في تقديم الدعم المناسب.
ويمكن للأهل تعزيز التواصل من خلال التفاعل مع اهتمامات الطفل، وتشجيعه على التعبير عن احتياجاته، وتوفير فرص يومية للتعلم واللعب والتواصل الاجتماعي.
كما تبرز أهمية تطوير أنظمة دعم تستجيب للاحتياجات الفعلية للأطفال والأشخاص ذوي التوحد، بدلًا من ربط جميع الخدمات بالحصول على تشخيص رسمي فقط.
ووفقا لذلك، فإن ارتفاع معدلات التشخيص يعكس مزيجا من العوامل التي تحتاج إلى دراسة دقيقة، بينما تظل الأولوية لاكتشاف الاحتياجات الفردية وتوفير الخدمات المناسبة لكل طفل.