بعد أكثر من قرن على اكتشافها.. تقنيات حديثة تعيد فتح لغز مقبرة توت عنخ آمون

2026-09-19 23:43:36

بعد أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في وادي الملوك عام 1922، يعود لغز المقبرة الشهيرة إلى واجهة البحث الأثري من جديد، مع نتائج مسوح جيوفيزيائية حديثة تشير إلى وجود مؤشرات غير معتادة خلف الجدارين الشمالي والغربي لغرفة الدفن.

ونشرت دورية Nature في 17 سبتمبر 2026 تقريرًا عن هذه النتائج، مشيرة إلى أن فريقًا بحثيًا بقيادة الدكتور ممدوح الدماطي، أستاذ الآثار المصرية بجامعة عين شمس ووزير الآثار الأسبق، استعان بمجموعة من التقنيات الجيوفيزيائية، من بينها الجاذبية الميكروية والرادار المخترق للأرض، إلى جانب إعادة تحليل بيانات مسوح سابقة.

وتشير النتائج إلى وجود شذوذات تحت سطحية يمكن أن تتوافق مع ممرات أو حجرات خلف المقبرة المعروفة، إلا أن طبيعة هذه التكوينات لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن، وهو ما يجعلها بداية لمرحلة جديدة من البحث أكثر من كونها إعلانًا عن اكتشاف مكتمل.

- من جديد.. نفرتيتي تعود إلى قلب لغز KV62

منذ عام 2015، ارتبطت مقبرة توت عنخ آمون بفرضية عالم المصريات البريطاني الدكتور نيكولاس ريفز، الذي رأى أن المقبرة قد تكون أصغر من المعتاد بالنسبة لدفن ملكي، وأن بعض تفاصيلها المعمارية والرسوم الموجودة داخلها يمكن أن تشير إلى أنها كانت في الأصل جزءًا من مقبرة ملكية أكبر.

وطرح ريفز احتمال أن تكون المقبرة قد أُعدت في الأساس للملكة نفرتيتي، ثم أعيد استخدامها بصورة سريعة لدفن توت عنخ آمون عقب وفاته المفاجئة.

ولا تزال هذه الفرضية محل نقاش بين المتخصصين، ولم تثبت حتى الآن أن نفرتيتي دُفنت خلف جدران مقبرة توت عنخ آمون. لكن المسوحات الجديدة أعادت إحياء السؤال بقوة، بعدما ظهرت مؤشرات جيوفيزيائية تتوافق مع وجود تراكيب مصطنعة خلف الجدران.

 

- لماذا أثارت النتائج الجديدة اهتمام العلماء؟

تكمن أهمية المسح الجديد في أنه لم يعتمد على البحث عن فراغات هوائية فقط، فوفقًا لما أوردته Nature، استخدم الباحثون تقنية الجاذبية الميكروية، وهي طريقة غير تدميرية يمكن من خلالها قياس الاختلافات الدقيقة في كثافة المواد الموجودة تحت سطح الأرض، من خلال التغيرات الصغيرة في مجال الجاذبية.

وأُجريت أكثر من 1200 قراءة في مساحة تبلغ نحو 35 مترًا مربعًا حول المقبرة، وأظهرت البيانات شذوذات يمكن أن تتوافق مع تراكيب ذات زوايا قائمة ومنخفضة الكثافة، بعضها يتوازى مع اتجاه الجدار الشمالي للمقبرة.

ويرى الباحثون أن هذه المؤشرات قد تكون متوافقة مع ممرات أو حجرات مصطنعة، إلا أن Nature نقلت عن خبراء جيوفيزياء وعلماء آثار ضرورة التعامل مع النتائج بحذر، باعتبار أن البيانات الحالية تقع في حدود قدرة تقنيات الكشف، ولا تمثل وحدها إثباتًا نهائيًا لطبيعة هذه التراكيب.

- ممر بعرض نحو مترين.. ماذا يوجد خلف الجدار؟

من أبرز التفسيرات التي قدمها الباحثون وجود ممر محتمل يبلغ عرضه نحو مترين، يمتد خلف غرفة الدفن.

ويشير جورج بالارد، المهندس الإنشائي ورئيس مجموعة GBG، إلى أن البيانات الجيوفيزيائية يمكن أن تتوافق مع ممر كثيف الردم، وهو ما قد يفسر لماذا لم تكشف بعض المسوح السابقة عن فراغ واضح.

وهنا تظهر نقطة مهمة في القضية؛ فالبحث عن فراغ هوائي مفتوح يختلف عن البحث عن ممر أو حجرة مغلقة وممتلئة بالردم.

وبالتالي، فإن عدم العثور على فراغ هوائي في مسوح سابقة لا يعني بالضرورة استبعاد وجود بنية معمارية مغلقة، كما أن الشذوذ الجيوفيزيائي الحالي لا يعني وحده إثبات وجود غرفة ملكية كاملة.

- ماذا تقول بيانات المسوح السابقة؟

لم تكن هذه المرة الأولى التي تحاول فيها الفرق العلمية البحث عما وراء جدران KV62، فمنذ عام 2015، أجريت عدة مسوح باستخدام تقنيات الرادار المخترق للأرض وغيرها من وسائل التصوير الجيوفيزيائي، وجاءت النتائج متباينة؛ إذ أشارت بعض القراءات إلى احتمالات وجود فراغات أو تراكيب خلف الجدران، بينما لم تجد دراسات أخرى أدلة كافية على وجود غرف هوائية.

وفي عام 2026، أعاد الفريق الجديد تحليل بيانات سابقة، من بينها بيانات التصوير بالمقاومة الكهربائية ERT التي جُمعت عام 2017، ووجد أن بعض الشذوذات تقع في مناطق تتقاطع مع النتائج الجديدة.

وترى الدراسة الجديدة أن إعادة قراءة البيانات القديمة إلى جانب القياسات الحديثة يمكن أن تقدم تصورًا مختلفًا لطبيعة ما يوجد خلف المقبرة.

- الجدران والرسوم.. تفاصيل تعود إلى عصر العمارنة

ولا يعتمد الجدل حول المقبرة على الجيوفيزياء وحدها، فقد سبق أن استندت فرضية ريفز إلى تفاصيل معمارية وفنية داخل غرفة الدفن، من بينها طبيعة التخطيط والرسوم الجدارية والتعديلات التي طرأت عليها.

وتشير القراءة التي طرحها ريفز إلى أن الجدار الشمالي ربما مر بمراحل مختلفة من التنفيذ، وأن بعض التفاصيل الفنية قد تكون أقدم من عملية دفن توت عنخ آمون.

كما استندت الفرضية إلى وجود مؤشرات على أن بعض المشاهد والخراطيش الملكية ربما عُدلت لتتناسب مع عملية دفن الملك الشاب.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة بسبب ارتباط بعض العناصر الفنية بعصر العمارنة، وهو العصر الذي ارتبط بإخناتون ونفرتيتي والتحولات الدينية والفنية الكبرى في الأسرة الثامنة عشرة.

لكن هذه القراءة الفنية، مثلها مثل نتائج المسوح الجيوفيزيائية، لا تكفي وحدها لإثبات أن المقبرة كانت مخصصة أصلًا لنفرتيتي.

- لماذا تبدو مقبرة توت عنخ آمون مختلفة؟

تُعد KV62 من المقابر الملكية الصغيرة نسبيًا مقارنة بعدد من المقابر الأخرى في وادي الملوك، وعندما اكتشفها هوارد كارتر عام 1922، كانت تحتوي على مجموعة استثنائية من الأثاث الجنائزي والكنوز التي جعلت منها أشهر مقابر وادي الملوك.

لكن صغر حجم المقبرة وطبيعة توزيع غرفها أثارا منذ سنوات تساؤلات حول ظروف إنشائها واستخدامها.

وتذهب إحدى القراءات إلى أن وفاة توت عنخ آمون المبكرة ربما فرضت إعادة استخدام مساحة كانت قد أُعدت أو بدأت لأغراض أخرى، بينما يرى باحثون آخرون أن الأدلة المتاحة لا تزال غير كافية لإعادة بناء تاريخ المقبرة بهذه الصورة بصورة حاسمة.

- ما الذي يمكن أن يكون خلف الجدران؟

بحسب التفسير الجيوفيزيائي الجديد، فإن الشذوذات المكتشفة يمكن أن تتوافق مع أكثر من تكوين معماري محتمل.

من بينها:
ممر شمالي محتمل:
قد يمتد خلف الجدار الشمالي لغرفة الدفن، وربما يمثل جزءًا من بنية أقدم للمقبرة.

تكوينات خلف الجدار الغربي:


تشير البيانات إلى وجود شذوذات أخرى في المنطقة الغربية، إلا أن تفسيرها أكثر تعقيدًا بسبب تأثير مقبرة مجاورة على القياسات.

حجرات أو مساحات مغلقة:


تتضمن البيانات مناطق يمكن أن تتوافق مع تراكيب منخفضة الكثافة تحتوي في داخلها على مناطق أعلى كثافة، وهو ما طرح الباحثون كاحتمال لوجود حجرة تحتوي على مواد أو مقتنيات.

لكن هذه السيناريوهات تظل تفسيرات للبيانات الجيوفيزيائية وليست اكتشافات أثرية مؤكدة.

- «المفاجأة» ليست في اكتشاف غرفة.. بل في طبيعة ما قد يكون خلف الجدار

أحد أهم جوانب النتائج الجديدة أنها تعيد صياغة السؤال نفسه.

فبدلًا من السؤال التقليدي: «هل توجد غرفة فارغة خلف الجدار؟»، أصبح السؤال: هل توجد بنية معمارية مغلقة وممتلئة بالردم يمكن أن تكون جزءًا من مجمع جنائزي أقدم؟

وهذا التغيير في طريقة البحث قد يفسر جزءًا من التضارب الذي شهدته نتائج المسوح السابقة.

فالتقنيات الجيوفيزيائية لا تقدم صورة فوتوغرافية لما يوجد تحت الأرض، وإنما تقيس خصائص فيزيائية يمكن تفسيرها بعدة طرق، ولذلك يحتاج تفسيرها إلى المقارنة بين أكثر من تقنية، وإلى أدلة أثرية ومعمارية مستقلة.

- هل عُثر بالفعل على مقبرة نفرتيتي؟

حتى الآن، الإجابة العلمية الدقيقة هي: لا، فالنتائج الجديدة تشير إلى مؤشرات يمكن أن تتوافق مع وجود ممرات أو حجرات خلف جدران مقبرة توت عنخ آمون، لكنها لم تثبت أن هذه الحجرات هي مقبرة نفرتيتي.

كما أن Nature نقلت عن متخصصين مستقلين أن النتائج مثيرة للاهتمام، لكن المعلومات المتاحة لا تكفي حتى الآن للوصول إلى نتيجة قاطعة بشأن طبيعة الغرف المحتملة.

وبالتالي فإن الربط بين هذه المؤشرات ونفرتيتي يظل في إطار الفرضية الأثرية التي تحتاج إلى أدلة إضافية.

- 2015.. بداية واحدة من أشهر فرضيات وادي الملوك

بدأت موجة الاهتمام الحديثة بهذا الملف عندما طرح نيكولاس ريفز عام 2015 احتمال وجود حجرات خلف جدران مقبرة توت عنخ آمون، وربطها باحتمالية وجود دفن ملكي أقدم.

وأجريت بعد ذلك عدة مسوح رادارية، وجاءت النتائج متضاربة، وهو ما جعل القضية واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في علم المصريات خلال العقد الماضي.

وفي المقابل، تؤكد النتائج الجديدة أن قصة المقبرة لم تُغلق بعد، وأن التقنيات غير التدميرية لا تزال قادرة على تقديم معلومات جديدة حول البنية المعمارية المدفونة دون الحاجة إلى إزالة الجدران أو إجراء أعمال حفر داخل المقبرة.

- البحث مستمر.. والحسم يحتاج إلى خطوة إضافية

لا يمكن اعتبار المؤشرات الجيوفيزيائية نهاية القصة، فالخطوة الأهم ستكون الحصول على أدلة مباشرة تؤكد طبيعة التراكيب التي ظهرت في القياسات، مع الالتزام الكامل بالحفاظ على المقبرة ورسومها الجدارية وعدم تعريضها لأي تدخل قد يؤثر في سلامتها.

وتؤكد طبيعة النتائج الحالية أن المسألة ما زالت في مرحلة التحقق العلمي، خاصة أن بعض الخبراء الذين تحدثت إليهم Nature أبدوا اهتمامًا بالبيانات، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على ضرورة الحصول على تفاصيل وقياسات إضافية قبل تأكيد وجود حجرات فعلية.

- لغز عمره أكثر من قرن.. هل تفتح KV62 فصلًا جديدًا؟

منذ أن فتح هوارد كارتر مقبرة توت عنخ آمون أمام العالم عام 1922، أصبحت KV62 واحدة من أشهر المواقع الأثرية على الإطلاق.

واليوم، وبعد أكثر من مائة عام، تعود المقبرة إلى دائرة الضوء ليس بسبب كنوزها التي أبهرت العالم، وإنما بسبب ما قد يكون موجودًا خلف جدرانها التي لم تُفتح حتى الآن.

فإذا أثبتت الدراسات المقبلة وجود ممرات وحجرات بالفعل، فسيكون ذلك إضافة مهمة إلى فهم تخطيط المقابر الملكية في وادي الملوك وتاريخ أواخر الأسرة الثامنة عشرة.

أما إذا أثبتت التحقيقات أن الشذوذات الجيوفيزيائية لها تفسير جيولوجي أو أثري مختلف، فستكون النتائج مهمة أيضًا، لأنها ستساعد العلماء على تضييق نطاق الاحتمالات وفهم طبيعة الجبل الذي شُيدت داخله KV62.

كلمات دالة: مقبرة توت عنخ آمون